خماسي الطاقة الحيوي في ليبيا.. حقول “الشرارة” و”بحر السلام” تقود طفرة إنتاجية رغم عواصف السياسة
ثروة تحت الرمال والماء.. هكذا تمنح 5 حقول عملاقة ليبيا قبضتها على أسواق الطاقة العالمية وأوراق الضغط الجيوسياسي
ليبيا 24:
قلب الاقتصاد الليبي النابض: خماسي الحقول العملاقة يرسم خريطة النفوذ ويؤمن مستقبل ما بعد النفط
وسط بحر من التحديات السياسية والأمنية التي لم تهدأ منذ عام 2011، تظل خمسة حقول نفطية وغازية عملاقة هي الشرايين الرئيسية التي تضخ الحياة في جسد الاقتصاد الليبي.
هذه الحقول ليست مجرد أصول طاقوية، بل تمثل العمود الفقري للدولة، إذ تسيطر على أكثر من 90% من إجمالي عائدات الصادرات التي مولت الموازنة العامة لعام 2025.
وبينما تتربع ليبيا على عرش أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في أفريقيا بنحو 48.4 مليار برميل، فإن قصة هذه الحقول الخمسة تكشف عن معركة يومية بين طموحات المؤسسة الوطنية للنفط في رفع الكفاءة، وشبح الإغلاقات الذي يخيم على المنشآت.
من حوض مرزق إلى المتوسط: ثلث الإنتاج رهين “الشرارة”
في الصدارة، يقف حقل الشرارة شامخاً في حوض مرزق جنوب غرب البلاد، ليس فقط كأكبر حقل نفطي في ليبيا، بل كعنوان للشراكة المعقدة بين المؤسسة الوطنية وعمالقة الطاقة الأجانب.
باحتياطيات تلامس 3 مليارات برميل، يضخ الحقل وحده نحو 300 ألف برميل يومياً، وهو رقم يمكن رفعه إلى 350 ألف برميل في الظروف المثالية، مما يعادل قرابة ثلث الإنتاج الوطني.
لكن اللافت أن أكثر من 53% من احتياطياته القابلة للاستخراج قد نضبت بحلول عام 2022، مما يضع المهندسين في سباق مع الزمن لتمديد عمر الحقل عبر برامج تطوير مكثفة تستهدف استمرار التدفق حتى عام 2060.
وعلى مقربة من الشرارة، يبرز حقل الفيل كأحد الأصول الاستراتيجية التي تقاوم الشيخوخة. فرغم تقدير احتياطياته بنحو 1.2 مليار برميل، إلا أنه لا يزال ينتج 225 ألف برميل يومياً.
وتدفع المؤسسة الوطنية للنفط ببرامج حفر استكشافية طموحة لإنعاش الحقل وزيادة طاقته الإنتاجية، في محاولة لتعويض التناقص الطبيعي في الضغط عبر آبار جديدة تخترق الأعماق.
أنبوب الحياة من السرير إلى الحريقة
في الشرق الليبي، وتحديداً في حوض سرت الغني، يحافظ حقل السرير على مكانته التاريخية كأيقونة للنفط الليبي. بإنتاج يومي يتجاوز 209 آلاف برميل، وخطط طموحة للوصول إلى 300 ألف برميل عبر صيانة الآبار المتقادمة، يمثل السرير شرياناً حيوياً يغذي ميناء الحريقة التصديري.
وتشير بيانات فنية إلى أن 45% فقط من إجمالي الاحتياطي القابل للاستخراج بالوسائل التقليدية قد تم استنزافه، مما يمنح هذا الحقل المخضرم فرصة ذهبية لمواصلة العطاء لعقود إضافية.
أما حقل مسلة، الذي يغطي مساحة شاسعة تقدر بـ 52.5 ألف فدان، فيقدم نموذجاً مختلفاً للنفط الخفيف عالي الجودة.
وبينما تبلغ احتياطياته القابلة للاستخراج أكثر من 3 مليارات برميل، إلا أن توقعات الإنتاج تشير إلى نافذة زمنية تمتد حتى عام 2039 فقط، مما يستوجب استثمارات عاجلة في بنيته التحتية قبل فوات الأوان.
ورقة الغاز الأوروبية: كنز بحر السلام
وبالانتقال من رمال الصحراء إلى مياه المتوسط، يطفو حقل بحر السلام على السطح كأهم أصل غازي في ليبيا، والأكثر التصاقاً بالتحولات الجيوسياسية الكبرى.
يقع الحقل على بعد 110 كيلومترات من الساحل، وتديره شركة مليتة للنفط والغاز بالشراكة مع العملاق الإيطالي “إيني”، ليضخ ما بين 900 مليون ومليار قدم مكعبة من الغاز يومياً.
باحتياطيات عملاقة تقدر بـ 54.7 تريليون قدم مكعبة، تحول هذا الحقل منذ عام 2005 إلى ركيزة أساسية في صادرات الغاز الليبي، ومصدراً حيوياً لتلبية شهية أوروبا المتعطشة للطاقة.
في ظل احتياطي ليبيا الكلي من الغاز المقدر بـ 1.5 تريليون متر مكعب، والذي يضعها في المرتبة الخامسة أفريقياً، يكتسب بحر السلام بعداً استراتيجياً يفوق قيمته الاقتصادية، إذ تحول إلى أداة ضغط ودبلوماسية في لعبة التوازنات الأوروبية الساعية لفطام نفسها عن الغاز الروسي.
ما بعد النفط.. معركة الزمن والاستقرار
وسط هذا الزخم من الأرقام، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المؤسسة الوطنية للنفط الحفاظ على وهج هذه الحقول؟ الاعتماد شبه المطلق على عائداتها لجعل ليبيا دولة ريعية بامتياز يجعل أي خلل أمني في محيط هذه الحقول بمثابة أزمة وطنية شاملة.
وبينما تمنح جودة النفط الليبي الخفيف الحلو ميزة تنافسية عالية في المصافي العالمية، تدرك المؤسسة أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على الاستخراج، بل على تطوير الحقول المتقادمة، وإطالة عمرها الإنتاجي، وتأمين خطوط نقلها التي تشبه الشرايين المفتوحة في جسد الصحراء الليبية.
فمنذ اكتشاف أول بئر عام 1959، أثبتت ليبيا أنها تخزن في جوفها ما هو أكثر من مجرد طاقة، إنها تخزن مستقبل الأجيال القادمة، شريطة أن تصمد الجدران أمام عواصف السياسة.




