أرقامٌ تُصدِم وواقعٌ يُدمِي.. 200 مليون لتر محروقات في أسبوع وليبيون يصرعون في طوابير البنزين
"ناجي عيسى يدمّر المركزي ويُهرّب الاحتياطي.. وحكومة الدبيبة تتلاعب بأرقام الفائض التجاري لتضليل المواطن"
ليبيا 24
ليبيا.. أرقامٌ تُخفي كارثة ووعودٌ لا تُجدي
بين إحصاءات التوزيع وطوابير المعاناة
في مشهدٍ بات مألوفاً في شوارع المدن الليبية، تقف طوابير ممتدة من السيارات والشاحنات أمام محطات الوقود، تحت أشعة الشمس الحارقة، في انتظار دورٍ قد لا يأتي. هذا المشهد يتكرر يومياً رغم الإعلانات الرسمية التي تتحدث عن توزيع كميات قياسية من المحروقات.
فشركة البريقة لتسويق النفط أعلنت توزيع 201.1 مليون لتر من الوقود على المنطقتين الغربية والجنوبية خلال الفترة من 15 إلى 22 أغسطس الجاري، بواقع 97.6 مليون لتر من البنزين و103.5 مليون لتر من الديزل.
لكن الأرقام الرسمية – حسبما يرى المراقبون – لا تعكس ما يصل فعلياً إلى المواطن. فالإعلامي والخبير الاقتصادي علي المحمودي يشير في منشوراته إلى أن كميات البنزين الموزعة البالغة 97 مليون لتر تكفي لتزويد 1.62 مليون سيارة فقط، في حين يبلغ إجمالي عدد السيارات في ليبيا نحو 2.5 مليون سيارة.
أما الديزل فالمعضلة أكبر، فالكميات المعلنة البالغة 107 ملايين لتر لا تكفي إلا لـ267.5 ألف سيارة إذا افترضنا تعبئة كل سيارة بـ400 لتر. فكيف يحدث هذا التناقض الصارخ بين الكميات الموزعة واحتياجات السوق؟
السوق الموازية.. حيث تذهب المحروقات
يكشف المحمودي عن حقيقةٍ مؤلمة: جزء كبير من هذه الكميات يتسرب إلى السوق الموازية ويُهرّب، وهذا ما تؤكده استمرار الطوابير وارتفاع أسعار البنزين والديزل في السوق السوداء.
ويشير تقرير فريق الخبراء الأممي لعام 2026 إلى أن عمليات تهريب الوقود والنفط في ليبيا وصلت إلى مستويات “غير مسبوقة”، مع تورط شبكات منظمة ومجموعات مسلحة وشخصيات نافذة.
المواطن الليبي يدفع ثمن هذه الفوضى غالياً. فسعر لتر الديزل في السوق الموازي بلغ 9 دنانير، رغم أن سعره الرسمي المدعوم لا يتجاوز 0.15 دينار. ومع أن شركة الكهرباء تستهلك نحو 60% من كميات الديزل الموزعة، إلا أن شبكة الكهرباء خلال الأشهر الأخيرة لا تعمل بكامل قدرتها، وهناك انقطاع التيار الكهربائي الذي يفترض أن يخفض الاستهلاك، لكن الأرقام تشير إلى العكس.
أرقام ديوان المحاسبة.. اختفاء المليارات
التقرير الرسمي لديوان المحاسبة يكشف عن فضيحة مالية جديدة. فمؤسسة النفط الوطنية باعت نفطاً بـ18.7 مليار دولار، أحالت منها 15.7 ملياراً إلى المصرف الخارجي، والذي بدوره أحال 11.1 مليار دولار فقط إلى المصرف المركزي. هذا يعني اختفاء نحو 2 مليار دولار في متاهات الفساد.
في الوقت نفسه، تورد مؤسسة النفط محروقات بقيمة 38 مليار دينار، إضافة إلى تكرير محروقات بالداخل بقيمة تتجاوز 10 مليارات دينار. لكن المحصلة النهائية أمام المواطن: طوابير بنزين، ونافطة بـ9 دنانير للتر، وكهرباء مقطوعة تتجاوز ساعات طرح الأحمال فيها 24 ساعة في بعض المناطق، ومنظومة النهر الصناعي متوقفة.
فائض تجاري.. أم وهم أرقام؟
في محاولةٍ لتجميل المشهد الاقتصادي، صرّح وزير الاقتصاد بوجود فائض في الميزان التجاري بلغ 6.2 مليار دولار حتى شهر يوليو. لكن الحقيقة، كما يوضح المحمودي، أن هذا الرقم ليس إيرادات إضافية دخلت إلى خزينة الدولة، وليس أرباحاً حققتها الحكومة.
إنه مجرد الفرق بين قيمة الصادرات (17.8 مليار دولار) والواردات (11.6 مليار دولار). والجزء الأكبر من الصادرات يعتمد على النفط، وارتفاع قيمتها جاء بسبب ارتفاع أسعار النفط، لا بسبب زيادة الإنتاج أو نجاح سياسات تنويع الاقتصاد.
فلم يزداد إنتاج النفط، ولم ترتفع الصادرات غير النفطية، ولم تتحسن حياة المواطن قيد أنملة. إنه فائض تجاري وهمي يُستخدم لتضليل الرأي العام، بينما يعاني الليبيون من أزمة معيشية خانقة.
ناجي عيسى.. تدمير المركزي من الداخل
في ملف آخر لا يقل خطورة، يواجه محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى اتهامات بتدمير المؤسسة التي يتولاها. فالمحمودي يتهم عيسى بأنه حول المصرف المركزي إلى مصرف تجاري، وتجاهل آراء الخبراء الاقتصاديين، وغض الطرف عن تغول رجال الأعمال في تملك المصارف التجارية.
ورغم أن المحافظ قد لا يُلام على حجم الصرف الحكومي، إلا أنه يُلام على تجاهله لما يحدث في القطاع المصرفي، وخلق النقود من خلال التغطية الكاملة للاعتمادات المستندية، وفرضه ضرائب ورسوماً على بيع النقد الأجنبي، وتغييراته المتكررة لسعر الصرف التي أضعفت الثقة في الدينار.
وفي تطورٍ مثير، تقدم ناجي عيسى باستقالته من منصبه إلى مجلسي النواب والدولة في 10 أغسطس الجاري، لكن مجلس الدولة رفض قبول الاستقالة. وتأتي هذه الاستقالة في وقت يواجه فيه المصرف المركزي ملفات اقتصادية ومالية حساسة، بينها إدارة النقد الأجنبي والسياسة النقدية والإنفاق العام.
اختراق وتكتم وغياب للكفاءات
يكشف المحمودي عن تفاصيل خطيرة تتعلق بأمن المصرف المركزي، حيث يعمل المصرف اليوم بمنظومات بديلة نتيجة الاختراق الذي حدث في بداية يونيو الماضي، مع تكتم تام عن حجم هذا الاختراق. كما يعاني المصرف من نقص كبير في الكفاءات، بإدارات بدون مدراء ومدراء بدون نواب، وحملة إقصاء كبيرة للكفاءات.
المحمودي يصف ما حدث بأنه “تدمير للمركزي”، مؤكداً أن المحافظ القادم سيواجه مهمة صعبة في بناء الهيكل الداخلي للمصرف من جديد. ويسأل المحمودي: لماذا لا يخبرنا المركزي بحجم الإنفاق الحكومي في كامل ليبيا؟ ولماذا أطلق عليه مصطلح “الموازي” بما أن التمويل يتم عن طريق مصرف ليبيا المركزي “الموحد”؟
المجتمع الدولي.. نظرة جانبية لملف ليبي
تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا، التي تحدثت عن ارتفاع الإيرادات إلى 3.5 مليارات دولار شهرياً، وتنظيم بيع النقد الأجنبي لصغار التجار بسقف 100 ألف دولار، تعكس – حسب المحمودي – صورة غير واقعية للأوضاع في ليبيا. فهذه التصريحات لا تنعكس على أرض الواقع، وهي أنصاف حقائق تستند إلى بيانات صادرة عن مؤسسات ليبية فاسدة.
المحمودي يخلص إلى أن ما يُسمى بالمجتمع الدولي غير مهتم حقاً بالملف الليبي، وينظر إليه كملف جانبي. فالتصريحات المتضاربة، كتصريح الإنفاق “الموازي” بـ70 مليار دينار الذي صدر صباحاً ثم نُفي مساءً، تعكس حالة من الفوضى وغياب المصداقية.
خلاصة المأساة.. فساد بلا محاسبة
في خضم هذه الأوضاع المتردية، يطرح المحمودي سؤالاً مصيرياً: “المسؤول الفاسد لا يجب مكافأته بالإقالة أو سفارة أو منصب جديد، بل يجب محاسبته وبشكل علني على كل ما ارتكبه بحق المال العام والمواطن”. لكنه يعترف بأن من هم في المشهد هم جزء من الفساد وشركاء فيه، ويعملون ضمن منظومة واحدة.
ويخلص المحمودي إلى أن التغيير في ليبيا لا يأتي إلا بعد فوضى كبيرة، والاعتداءات في الزاوية وغيرها لن تتوقف إلا بقيام دولة، والباقي “دخان سحور”. ففي الوقت الذي تشهد فيه جميع مناطق ليبيا شبه انعدام لوقود الديزل، وتتجاوز أسعاره في السوق الموازي 9 دنانير للتر، تبقى الأرقام الرسمية تتحدث عن كميات هائلة تم توزيعها، في تناقض يعكس حجم المأساة التي يعيشها المواطن الليبي المكلوم.



