ليبيا

خفض الدينار بين احتواء فجوة الصرف ومخاطر التضخم.. خبراء يحذرون من تداعيات اقتصادية ومعيشية

جدل اقتصادي في ليبيا حول التعويم ورفع الدعم.. وتجربة توحيد سعر الصرف بين 2000 و2002 تعود إلى الواجهة

تشهد الساحة الاقتصادية الليبية جدلًا متجددًا بشأن مستقبل سعر صرف الدينار، في ظل اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتزايد الدعوات إلى تبني إجراءات تتعلق بخفض قيمة العملة أو تعويمها ورفع الدعم، مقابل تحذيرات من انعكاس هذه السياسات على الأسعار والقوة الشرائية والاستقرار المعيشي.

خفض قيمة الدينار.. معالجة مؤقتة لا تعالج أصل الأزمة

قال الخبير الاقتصادي إدريس الشريف إن خفض سعر صرف الدينار قد يسهم في تقليص الفجوة مع السوق الموازية على المدى القصير، لكنه لا يمثل حلًا لأسباب الأزمة، في ظل استمرار ارتفاع الطلب على الدولار، وزيادة الإنفاق والتوسع النقدي، إلى جانب تراجع الثقة بالعملة المحلية.

واستشهد الشريف بالتجربة الأرجنتينية، التي شهدت تخفيضات متكررة لقيمة العملة دون أن تنجح تلك الإجراءات في إنهاء أزمة سعر الصرف، محذرًا من أن خفض قيمة الدينار قد ينعكس سريعًا على أسعار السلع والخدمات المستوردة، ويدفع التضخم إلى مستويات أعلى، بما يضغط بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين.

ويرى الشريف أن معالجة فجوة سعر الصرف تتطلب استهداف أسبابها الأساسية، من خلال ضبط الإنفاق والتوسع النقدي، وتقليص الطلب على العملة الأجنبية، إلى جانب استعادة الثقة بالدينار والنظام المصرفي.

تعويم الدينار ورفع الدعم.. مخاوف من اتساع الضغوط المعيشية

وفي السياق ذاته، انتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة صقر الجيباني توجهات بعض رجال الأعمال نحو تبني سياسات تقوم على تعويم العملة ورفع الدعم، معتبرًا أن الترويج لهذه الإجراءات يجري تحت عناوين متعددة، من بينها الخروج من الأزمة وتعزيز دور القطاع الخاص.

وقال الجيباني، إن رفع الدعم عن المحروقات وتعويم الدينار قد يؤديان إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف السلع والخدمات قد يرفع أرباح بعض التجار وأصحاب الأنشطة التجارية والمهنية، في مقابل تحميل المستهلكين، ولا سيما أصحاب الدخول الثابتة والمحدودة، الكلفة الأكبر.

وتبرز هذه الرؤية جانبًا مهمًا من الجدل الدائر حول الإصلاح الاقتصادي، إذ إن أي تغيير في سعر الصرف أو منظومة الدعم لا يمكن تقييمه بمعزل عن قدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وضبط الأسواق ومنع انتقال كامل آثار الإصلاحات إلى المستهلك.

تجربة 2000–2002.. نموذج سابق لتوحيد سعر الصرف

في المقابل، أعاد المدير السابق لإدارة الرقابة بمصرف ليبيا المركزي محمد أبوسنينة طرح تجربة إصلاح سعر الصرف التي نفذها المصرف المركزي خلال الفترة من 2000 إلى 2002، معتبرًا أنها تمثل تجربة مهمة يمكن الاستفادة منها في معالجة الاختلالات الحالية.

وأوضح أبوسنينة أن المصرف المركزي اتخذ آنذاك قرارًا بتعديل وتوحيد سعر صرف الدينار، بالتزامن مع العمل على القضاء على السوق السوداء للنقد الأجنبي وإلغاء القيود على استعمالات النقد الأجنبي، مؤكدًا أن القرار جاء بعد دراسة، ووفق خطة محددة الأهداف، تضمنت تحديد سعر توازني للعملة.

وأكد أن تلك السياسة لم تكن مفروضة من الخارج، ولم تأت نتيجة ضغوط من صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أن المصرف المركزي تحمل مسؤولية تنفيذها بصورة مباشرة.

بين خفض العملة والإصلاح المؤسسي.. جوهر الأزمة

وأشار أبوسنينة إلى أن تجربة توحيد سعر الصرف خلال 2000–2002 يمكن الرجوع إليها وتطبيقها مجددًا، شريطة توافر متطلبات التنفيذ والإرادة الحقيقية لإصلاح سوق الصرف وتحقيق الاستقرار.

وتكشف المواقف الثلاثة عن اختلاف واضح في مقاربة الأزمة؛ فبينما يحذر الشريف والجيباني من أن خفض قيمة الدينار أو تعويمه ورفع الدعم، في الظروف الحالية، قد يتحول إلى عامل إضافي للتضخم وتراجع الدخول الحقيقية، يستند أبوسنينة إلى تجربة سابقة لإثبات أن إصلاح سعر الصرف ممكن عندما يقترن بخطة واضحة وسياسة نقدية متماسكة.

وبالتالي، فإن التحدي لا يبدو مرتبطًا بسعر الصرف وحده، بقدر ما يرتبط بالسياسات التي تحيط به؛ إذ إن خفض قيمة الدينار دون معالجة الإنفاق العام والتوسع النقدي والطلب على الدولار قد يعيد إنتاج الفجوة بصورة مختلفة، بينما يظل توحيد سعر الصرف مستندًا إلى قدرة المؤسسات الاقتصادية على فرض الانضباط النقدي والمالي، واستعادة الثقة في العملة والنظام المصرفي.

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبدو أي خطوة باتجاه التعويم أو خفض قيمة الدينار أو رفع الدعم بحاجة إلى دراسة دقيقة لتوقيتها وآليات تنفيذها، حتى لا تتحول الإصلاحات المعلنة إلى أعباء إضافية على المواطنين، خصوصًا أصحاب الدخول الثابتة ومحدودي الدخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى