اقتصاد

ليبيا بين أزمة المعيشة وانقسام المؤسسات.. دعوات لتوحيد الميزانية ومواجهة الفساد

اقتصاديون ومسؤولون يحذرون من تدهور الخدمات ويحمّلون الانقسام مسؤولية تفاقم الأزمة

تتصاعد الانتقادات للأوضاع المعيشية والاقتصادية في ليبيا، في ظل استمرار أزمات الكهرباء والخدمات الأساسية، واتساع الفجوة في سوق الصرف، بالتزامن مع استمرار الانقسام المؤسسي والإنفاق العام غير الموحد، وسط مطالبات بإعادة ضبط إدارة موارد الدولة وتحقيق عدالة أكبر في توزيعها على المواطنين.

أزمات الخدمات تكشف تراجع مستوى المعيشة

انتقد عضو مجلس الدولة الاستشاري، سعد بن شرادة، تردي الأوضاع المعيشية في البلاد، مطالباً بتحقيق عدالة في توزيع أبسط الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه.

وقال بن شرادة إن وصول المواطن إلى مرحلة المطالبة بعدالة توزيع هذه الخدمات يعكس تراجع مستوى المعيشة، منتقداً انشغال أطراف سياسية بالصراع على السلطة وتعطيل الحلول الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة وبناء دولة قادرة على توفير مقومات الحياة الكريمة.

وتتزامن هذه الانتقادات مع شكاوى متكررة من تدهور الخدمات، كان آخرها ما أورده السفير الليبي السابق لدى أوكرانيا، عادل عيسى، الذي تحدث عن انقطاع الكهرباء عن منزله وعائلته وجيرانه لساعات طويلة، متسائلاً عن إمكانية استمرار مثل هذه الأزمة في بلد يمتلك موارد نفطية كبيرة.

وتعكس هذه الشهادة جانباً من المفارقة التي يعيشها المواطن الليبي، إذ تتوافر موارد مالية وطبيعية كبيرة، بينما تستمر مشكلات أساسية مرتبطة بالكهرباء والمياه والسيولة وارتفاع الأسعار، بما يضع علامات استفهام حول كفاءة إدارة الموارد العامة وأولويات الإنفاق.

السوق الموازية.. أزمة تتغذى على الانقسام

وفي الجانب الاقتصادي، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عطية الفيتوري، أن أطرافاً مختلفة تتعامل بالعملات الأجنبية في السوق الموازية وتستفيد، بدرجات متفاوتة، من استمرار الوضع القائم، محذراً من أن الفساد والانقسام المؤسسي يضغطان على سعر صرف الدينار ويزيدان معاناة المواطنين.

وأوضح الفيتوري أن ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية في السوق الموازية لا يرتبط بعامل واحد، إذ يضم مواطنين يحتاجون إلى العملة لأغراض مشروعة، من بينها العلاج في الخارج، إلى جانب مضاربين ومستفيدين من فروق الأسعار وممارسات مرتبطة بالفساد.

وأشار إلى أن تدخل مصرف ليبيا المركزي وضخ ملياري دولار ساهم في الحد من ارتفاع سعر العملة في السوق الموازية، معتبراً أن غياب هذا التدخل كان قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بفعل استمرار الطلب.

غير أن معالجة أزمة الصرف، وفق رؤية الفيتوري، لا يمكن اختزالها في زيادة المعروض من الدولار، لأن جذور المشكلة ترتبط أيضاً بالفساد وضعف الرقابة والانقسام المالي والمؤسسي، وهو ما يجعل أي حلول مؤقتة عرضة للتراجع ما لم تترافق مع إصلاحات هيكلية.

الفساد لا يبدأ من المصرف المركزي

ويرى الفيتوري أن تحميل مصرف ليبيا المركزي وحده مسؤولية الاختلالات المالية يمثل معالجة ناقصة، مؤكداً أن الحكومات تتحمل بدورها جانباً كبيراً من المسؤولية، خصوصاً في الإنفاق على المشروعات والمشتريات والتعاقدات الحكومية.

وأشار إلى وجود مبالغة محتملة في تكاليف بعض المشروعات، فضلاً عن احتمال وجود مشروعات غير حقيقية، داعياً إلى إخضاع الإنفاق العام لقواعد مالية واضحة وإجراءات شفافة في التعاقد والعطاءات والمشتريات.

توحيد المؤسسات.. المدخل الأصعب للإصلاح

وتتلاقى مواقف بن شرادة والفيتوري وعيسى، رغم اختلاف مواقعهم، عند حقيقة واحدة تتمثل في أن المواطن يدفع بصورة مباشرة ثمن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي؛ سواء عبر تراجع الخدمات، أو ارتفاع الأسعار، أو اضطراب سعر الصرف، أو اتساع مساحة الاقتصاد الموازي.

ومن ثم، فإن الإصلاح الاقتصادي في ليبيا لا يبدو قابلاً للتحقق عبر إجراءات نقدية مؤقتة أو حملات رقابية محدودة، بل يحتاج إلى معالجة أصل الخلل من خلال توحيد مؤسسات الدولة، وإقرار ميزانية موحدة وشفافة، وتفعيل أجهزة الرقابة ومكافحة الفساد، وربط الإنفاق العام بأولويات واضحة تخدم المواطن.

وفي ظل استمرار الانقسام، تبقى الثروة النفطية الكبيرة غير كافية وحدها لضمان تحسن مستوى المعيشة، ما لم تتحول الإيرادات العامة إلى خدمات مستقرة وإنفاق منضبط واقتصاد أكثر شفافية وعدالة في توزيع الموارد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى