المبيدات المحظورة في ليبيا.. مخاطر تهدد الغذاء والبيئة وسط تحديات الرقابة
دعوات لتشديد الرقابة على الاستيراد والتداول والتخلص الآمن من المبيدات المصادرة

تتصاعد المخاوف في ليبيا بشأن تداول واستخدام المبيدات الزراعية المحظورة، في ظل ما تفرضه هذه المواد من مخاطر تتجاوز سلامة المنتجات الزراعية لتطال صحة الإنسان والتربة والمياه والتنوع الحيوي، وسط تحديات تواجه الجهات الرقابية في ضبط دخولها إلى البلاد والتعامل الآمن مع الشحنات المصادرة.
التنوع الحيوي والتربة في دائرة الخطر
وحذر رئيس جمعية “الشجرة المباركة”، الأكاديمي الليبي فرج المقصبي، من حصر تداعيات المبيدات المحظورة في أضرارها الصحية فقط، مؤكدًا أن آثارها تمتد إلى التنوع الحيوي والغطاء النباتي والتربة والبيئة بصورة عامة.
وأشار المقصبي إلى أن المبيدات قد تنتقل إلى البيئة عبر الرذاذ ومياه الري والأمطار، فيما يمكن لبعض الأنواع شديدة السمية والثبات أن تستمر في البيئة لسنوات، بما قد ينعكس على خصوبة التربة ويزيد مخاطر وصول الملوثات إلى المياه الجوفية.
وتكشف هذه المعطيات أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود مبيد محظور في السوق، وإنما بقدرته على الانتقال عبر السلسلة البيئية والغذائية وترك آثار تراكمية يصعب احتواؤها لاحقًا، الأمر الذي يجعل الوقاية والرقابة المسبقة أكثر أهمية من معالجة النتائج بعد وقوعها.
الجمارك: صعوبات في التخلص من المضبوطات
وفي جانب الرقابة على المنافذ، أوضح مدير المكتب القانوني في مصلحة الجمارك الليبية، العقيد فرج الجارح، أن المصلحة ناقشت إجراءات استيراد المبيدات والشروط الواجب توافرها لدى الجهات المستوردة، فضلًا عن ضرورة الحصول على الأذونات والموافقات اللازمة قبل الإفراج عن الشحنات.
غير أن الجارح أشار إلى تحدٍ آخر لا يقل خطورة، يتمثل في عدم توفر آليات وطرق علمية وآمنة للتخلص من المبيدات التي تتم مصادرتها، موضحًا أن بعضها يبقى لفترات طويلة داخل المخازن والموانئ والمطارات انتظارًا للتخلص منه وفق الطرق المعتمدة.
وتثير هذه النقطة إشكالية رقابية وبيئية مهمة، إذ إن مصادرة المادة المحظورة لا تعني انتهاء خطرها، بل قد تتحول عملية التخزين الطويل إلى مصدر خطر جديد على العاملين في المنافذ والبيئة المحيطة، ما يستدعي وضع منظومة متكاملة تبدأ من منع دخول المبيد وتنتهي بإتلافه بطريقة آمنة.
منع دخول المبيد يبدأ من المنافذ
وشدد المقصبي على ضرورة تفعيل لجنة المبيدات وتعزيز دور وزارة الزراعة، بالتوازي مع رفع مستوى التنسيق بين قطاعات البيئة والجمارك وحرس الحدود والصحة، وتشديد الرقابة على المنافذ لمنع دخول المواد المحظورة.
كما دعا إلى تعزيز التوعية بمخاطر هذه المبيدات وتشجيع استخدام البدائل الآمنة، معتبرًا أن التعامل مع المشكلة يتطلب مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والرقابية والقطاع الزراعي.
منصة إلكترونية لتشديد الرقابة
وكشف الجارح عن طرح فكرة منصة “برق” الجمركية، التي تختص بمنح الأذونات للمبيدات والسلع المختلفة، بما يسمح بعرض بيانات الشحنات على مصلحة الجمارك والجهات الرقابية المختصة لفحصها والتأكد من استيفائها الاشتراطات قبل إصدار الإذن بالشحن أو رفضه.
ومن شأن تطبيق مثل هذه الآلية أن يدعم الرقابة المسبقة ويحد من الثغرات التي قد تسمح بمرور مواد غير مطابقة، إلا أن نجاحها سيظل مرتبطًا بفاعلية الجهات الرقابية وقدرتها على تبادل المعلومات واتخاذ قرارات موحدة وسريعة.
الرقابة تحتاج إلى منظومة متكاملة
وتشير مجمل الطروحات إلى أن ملف المبيدات المحظورة في ليبيا يحتاج إلى الانتقال من التعامل الجزئي مع المخالفات إلى بناء منظومة رقابية متكاملة،تشمل تنظيم الاستيراد، وفحص الشحنات، ومراقبة الأسواق والمزارع، ورصد متبقيات المبيدات في المنتجات الزراعية والمياه والتربة.
كما يتطلب الأمر وضع آلية عاجلة وآمنة للتعامل مع المبيدات المصادرة، إلى جانب تعزيز المختبرات والقدرات الفنية وتفعيل القوانين والجهات المختصة.
فالمخاطر المرتبطة بالمبيدات المحظورة لا تظهر بالضرورة بصورة فورية، وقد تمتد آثار بعض المواد إلى البيئة والصحة العامة لسنوات،ولذلك فإن نجاح ليبيا في معالجة هذا الملف لن يقاس بعدد الشحنات المصادرة فقط، وإنما بقدرتها على منع دخول المواد الخطرة، وضمان سلامة الغذاء، وحماية البيئة، ومحاسبة المخالفين، وتوفير بدائل آمنة للمزارعين.



