ليبيا أمام مفترق 2026 .. صراع الشرعية والاقتصاد والأمن
عام حاسم في ليبيا بين الانتقال المعلق وانقسام السلطة
ليبيا 24:
ليبيا على أعتاب 2026: اختبار الشرعية والسيادة واستعادة الدولة
تدخل ليبيا عام 2026 مثقلة بإرث طويل من المراحل الانتقالية المتعثرة، وانقسام المؤسسات، وتآكل الثقة الشعبية في السلطة التنفيذية القائمة في طرابلس، مقابل تصاعد مطالب إعادة الاعتبار لمفهوم الشرعية الدستورية وتوحيد القرار السيادي.
ويأتي هذا المشهد في توقيت بالغ الحساسية، مع تزامن العام الجديد مع الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة فبراير، التي رفعت شعارات الدولة والحرية والعدالة، لكنها لم تُترجم حتى اليوم إلى استقرار سياسي أو اقتصادي دائم.
وبينما تروج بعثة الأمم المتحدة لمسارات حوار جديدة، يزداد الجدل الداخلي حول جدوى استمرار حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي انتهت ولايتها القانونية والسياسية، وفق قرارات مجلس النواب، وباتت محل رفض واسع من قطاعات سياسية وشعبية ترى أنها تحولت إلى طرف في الأزمة بدل أن تكون أداة للحل.
في المقابل، تبرز الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، المنبثقة عن مجلس النواب، كعنوان لشرعية برلمانية تسعى إلى استعادة الانضباط المؤسسي، وتوحيد القرار المالي والإداري، وإنهاء حالة التسيب التي ألقت بظلالها الثقيلة على حياة الليبيين ومعيشتهم.
ذكرى فبراير بين الرمزية والواقع السياسي
لا تمر ذكرى السابع عشر من فبراير هذا العام بوصفها محطة احتفالية عابرة، بل تعود محملة بأسئلة كبرى حول مآلات الثورة ومسار الدولة.
فبعد خمسة عشر عامًا، لا تزال ليبيا تعيش حالة انتقال مفتوح، بلا دستور دائم، وبلا انتخابات عامة، وبمؤسسات منقسمة تتنازع الشرعية والموارد.
ويجمع مراقبون على أن أحد أبرز أسباب هذا التعثر يتمثل في إطالة أمد الحكومات المؤقتة، وتحويلها إلى واقع دائم، بما أضعف مبدأ التداول السلمي للسلطة، ورسخ ثقافة الأمر الواقع، خاصة في الغرب الليبي، حيث تستند حكومة الوحدة الوطنية إلى شبكة من التشكيلات المسلحة، بدل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.
حكومة منتهية الولاية وأزمة شرعية متفاقمة
منذ مارس 2021، تولت حكومة الوحدة الوطنية السلطة على أساس تعهد صريح بقيادة مرحلة انتقالية قصيرة تنتهي بإجراء انتخابات عامة.
غير أن فشل انتخابات ديسمبر 2021 شكّل نقطة تحول، إذ تمسكت الحكومة بالبقاء، رغم انتهاء ولايتها، مستندة إلى تفسيرات سياسية مثيرة للجدل، ودعم خارجي متذبذب.
هذا الإصرار على الاستمرار دون تفويض انتخابي أو برلماني، فاقم من حالة الانقسام، وكرّس ازدواج السلطة، وأضعف الثقة في العملية السياسية برمتها.
كما انعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي، مع غياب الرقابة الفعلية على الإنفاق العام، وتضخم بنود الصرف، وتراجع الخدمات الأساسية.
المسار الأممي: حوار بلا ضمانات تنفيذ
تطرح بعثة الأمم المتحدة خارطة طريق جديدة، تقوم على ما تصفه بالحوار المهيكل، بمشاركة أطياف سياسية واجتماعية.
ورغم أهمية أي جهد يسعى إلى تقريب وجهات النظر، إلا أن التجارب السابقة تجعل قطاعات واسعة من الليبيين تنظر بريبة إلى هذه المسارات، خاصة في ظل غياب آليات إلزام واضحة، وتجاهل جوهر الأزمة المتمثل في مسألة الشرعية.
فالحوار، في نظر منتقديه، لا يمكن أن ينجح إذا لم ينطلق من قاعدة قانونية واضحة، تعترف بانتهاء ولاية الأجسام التنفيذية المؤقتة، وتعيد الاعتبار لمؤسسة مجلس النواب بوصفه الجسم المنتخب الوحيد، المخول بتسمية الحكومة ومحاسبتها.
المناصب السيادية: معركة الإصلاح المؤجل
يعد ملف المناصب السيادية من أكثر القضايا حساسية وتأثيرًا في مستقبل الدولة الليبية فتعطيل التوافق حول هذه المناصب، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي، وديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية، أسهم في إدامة الفساد، وتسييس المال العام، وإضعاف أدوات الرقابة.
ورغم التوصل إلى تفاهمات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول آليات التعيين، إلا أن غياب الإرادة السياسية، وتدخل مصالح متشابكة، حال دون تنفيذ هذه التفاهمات.
ويُنظر إلى هذا التعطيل باعتباره أحد أوجه الصراع على النفوذ المالي، لا خلافًا تقنيًا حول الأسماء.
مصرف ليبيا المركزي: قلب الأزمة المالية
لا يمكن قراءة المشهد الليبي بمعزل عن أداء مصرف ليبيا المركزي، الذي تحول إلى محور جدل واسع، في ظل اتهامات متكررة بسوء الإدارة، وغياب الشفافية، والانحياز السياسي.
فقد شهدت السنوات الأخيرة استنزافًا غير مسبوق للاحتياطي النقدي، وارتفاعًا في الدين العام، وتراجعًا في قيمة العملة المحلية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار السياسات النقدية الحالية، دون رقابة برلمانية موحدة، يهدد بفقدان السيطرة على أدوات السياسة المالية، ويفتح الباب أمام مخاطر جسيمة، قد تصل إلى عزلة مالية دولية، أو انهيار أوسع في القدرة الشرائية للمواطن.
الحكومة الليبية: محاولة لإعادة الانضباط المؤسسي
في هذا السياق، تطرح الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد نفسها كبديل يسعى إلى إعادة الاعتبار للشرعية البرلمانية، وضبط الإنفاق العام، وتوحيد المؤسسات، خاصة في الشرق والجنوب.
وتؤكد الحكومة في أكثر من مناسبة التزامها بالمسار الدستوري، ودعمها لإجراء انتخابات شاملة، بعد تهيئة الظروف القانونية والأمنية.
كما تحظى هذه الحكومة بدعم واضح من الجيش الوطني ، الذي نجح خلال السنوات الماضية في فرض قدر من الاستقرار في مناطق واسعة، وتأمين المنشآت النفطية، وحماية الحدود، ما يعزز من فرص نجاح أي مسار سياسي جاد، بعيدًا عن هيمنة الميليشيات.
توحيد المؤسسة العسكرية: شرط الاستقرار السياسي
لا يمكن الحديث عن انتخابات أو إصلاح سياسي دون معالجة ملف السلاح المنفلت، وتوحيد المؤسسة العسكرية. فالانقسام العسكري، وتعدد مراكز القوة المسلحة، يمثلان أحد أبرز معوقات بناء الدولة.
ويرى مراقبون أن أي مشروع جاد لتوحيد المؤسسة العسكرية يجب أن ينطلق من الاعتراف بالوقائع الميدانية، ودور الجيش الوطني الليبي، بدل محاولة القفز عليها عبر ترتيبات شكلية لا تصمد أمام اختبار الواقع.
الشارع الليبي: صبر ينفد وغضب يتصاعد
على المستوى الشعبي، تتزايد مؤشرات الغضب، في ظل تردي الخدمات، وارتفاع الأسعار، وانقطاع الكهرباء، وتراجع الثقة في الوعود السياسية.
وتشهد مدن عدة احتجاجات متقطعة، تعكس حالة السخط من استمرار الأوضاع على حالها.
ويخشى كثيرون من أن يؤدي استمرار الانسداد السياسي والمالي إلى انفجار اجتماعي، قد يعيد البلاد إلى مربع الفوضى، إذا لم يتم التحرك سريعًا لمعالجة جذور الأزمة.
2026: عام الحسم أم استمرار الدوران؟
يُنظر إلى عام 2026 على أنه مفترق طرق حقيقي. فإما الذهاب نحو تسوية سياسية قائمة على الشرعية، وتوحيد المؤسسات، ودعم حكومة تحظى بتفويض قانوني واضح، أو الاستمرار في إدارة الأزمة، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على وحدة الدولة ومستقبلها.
وبين هذين الخيارين، تبقى مسؤولية الليبيين، ونخبهم السياسية، في تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، والانحياز لمشروع الدولة، لا لمشاريع السلطة المؤقتة.



