ليبيا

ليبيا عالقة بين مؤسسات متآكلة وإرادة مفقودة: تشريح لسياسة المماطلة وتعمّد إطالة المراحل الانتقالية

تحول هياكل الحكم إلى معضلة مزمنة تغذي الصراع وتبدد فرص الانتخابات

ليبيا 24:

اتهام المؤسستين التشريعيتين بتعميق الجمود وتعطيل المسار الدستوري في ليبيا

 في خضم المشهد الليبي المتشظي، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية مع المصالح المحلية الضيقة، يبرز صوت عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة ليشخّص بإبرة جارحة ما يعتبره مراقبون انزياحاً خطيراً في وظيفة المؤسسات السياسية.

فلم يعد الأمر، وفق هذا التشخيص، متعلقاً بتعقيدات المشهد التي طالما قُدّمت كذريعة جاهزة للجمود، بل تجاوزه إلى أزمة أعمق تتمثل في غياب الإرادة الحقيقية لدى الأجسام التي يفترض بها أن تقود البلاد نحو بر الأمان.

هذا الغياب يحوّل الهياكل التشريعية والاستشارية من أدوات يُفترض أنها تصنع الحل إلى عقبات منهجية تعيد إنتاج الأزمة ذاتها، في حلقة مفرغة تلتهم ما تبقى من عمر الدولة ومقدراتها.

غياب الإرادة لا تعقيدات المشهد

في التفكيك الذي يقدمه بن شرادة لمنطق الجمود، ثمة إزاحة للستار عن حقيقة صارخة: أن إطالة أمد المرحلة الانتقالية لم تعد مجرد نتيجة عرضية لاختلالات بنيوية أو لتدخلات خارجية، بل باتت خياراً واعياً لدى بعض النخب السياسية.

إن توصيفه لاستمرار مجلسي النواب والدولة في حالة من الجمود والمماطلة لا يحيل فقط على فشل في الأداء، بل على أزمة عميقة في تحمل المسؤولية الوطنية.

هنا، يتحول السؤال من “لماذا فشلت التسوية؟” إلى “من المستفيد من بقاء الوضع على حاله؟”؛ وهو سؤال يضع أصحاب القرار في مواجهة مباشرة مع افتراض أن غياب التسوية يُدرّ عليهم مكاسب آنية تفوق مكاسب الاستقرار.

هذا التحليل ينسجم مع رؤية معمقة للاقتصاد السياسي للصراع، حيث يتغذى بقاء النخب على استمرار حالة السيولة وعدم اليقين التي تتيح إدارة الموارد بعيداً عن الرقابة المركزية والمحاسبة الشعبية.

ازدواجية الدور: من أدوات للحل إلى جزء من المشكلة

لم يعد خافياً، كما يؤكد بن شرادة، أن هذه المؤسسات تحولت في نظر كثير من الليبيين من أدوات للحل إلى جزء من المشكلة.

هذا التحول في الإدراك الجمعي يمثل منعطفاً خطيراً في شرعية هذه الأجسام؛ إذ تفقد المؤسسات سبب وجودها الوظيفي حين تصبح حجر عثرة أمام بناء الدولة المستقرة.

إن إعاقة أي تقدم حقيقي، والمساهمة المباشرة أو غير المباشرة في إطالة أمد الصراع، يحوّل مجالس يفترض أنها منتخبة أو منبثقة عن اتفاقات سياسية إلى كيانات تكرّس الهشاشة وتحول دون الانتقال من منطق المحاصصة وتقاسم الغنائم إلى منطق الدولة الوطنية الجامعة.

هذه الحالة من “الازدواجية الوظيفية”، حيث تعلن الجسام نوايا الحل وتمارس في العمق سياسات الإعاقة، تشكّل التحدي الأخطر لأي خارطة طريق أممية طالما أن الأطراف المعنية بتنفيذها هي ذاتها المستفيدة من تعطيلها.

المطلوب: انتخابات شفافة لا إعادة تدوير للأزمات

الخلاصة التي يصل إليها هذا التشخيص تحمل إلحاحاً غير مسبوق: ليبيا اليوم لا تحتمل مزيداً من التأجيل أو الحسابات الضيقة.

الدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية والانخراط الجاد في مسار سياسي واضح يقود إلى انتخابات شفافة ومؤسسات موحدة ليست مجرد شعارات، بل هي وصف لطريق وحيد للخروج من النفق.

التحذير من أن ليبيا ستبقى رهينة لأمواج الصراعات طالما بقيت رهينة حسابات ضيقة ومصالح متضاربة هو اعتراف بواقع مرير تصبح معه كل مبادرات الحوار دون جدوى ما لم تقترن بإرادة فعلية للتغيير وكسر دوائر المصالح.

فما تخشاه هذه الدعوة هو أن تتحول المرحلة المقبلة إلى عملية إعادة تدوير للأزمات لا غير، تنتج وجوهاً جديدة لنفس منظومة المصالح المتكلسة، بدل أن تكون قطيعة حقيقية مع الماضي تستجيب لتطلعات شعب أنهكه الصراع.

في المحصلة، تشكّل هذه الرؤية الصريحة جرس إنذار يخترق ضجيج البيانات الدبلوماسية المعتادة.

إن جوهر الأزمة الليبية، من هذا المنظور، يقع تحديداً في تلك الفجوة بين ما تعلنه المؤسسات السياسية من نوايا وبين ما تمارسه من أفعال تبقي الوطن رهينة لصراعات لا تنهض إلا على أنقاض الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى