ليبيا

المادة 64 «تشعل» الصراع بين مطاوع وزهيو حول شرعية الحوار المهيكل

جيهان مطاوع وأسعد زهيو يتصارعان حول شرعية الحوار المهيك

ليبيا 24

اشتعلت ساحة النقاش السياسي الليبي بمواجهة فكرية حادة بين عضوين بارزين في الحوار المهيكل، كشفت عن عمق الشرخ القائم حول كيفية الخروج من الانسداد المزمن، وامتدت آثارها إلى جذور الشرعية الدستورية للاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات.

فقد دشنت عضو الحوار جيهان مطاوع جبهة نقد لاذعة عبر مقال مطول اعتبرت فيه أن إحياء المادة الرابعة والستين من الاتفاق ليس سوى مدخل تكرسه البعثة الأممية لاستدامة المراحل المؤقتة وإجهاض الاستحقاق الانتخابي.

في المقابل، رد عضو الحوار أسعد زهيو بتفنيد شامل وصف فيه الأطروحة النقدية بأنها «تهافت السردية التعطيلية» وتغليف لمحاولة الإبقاء على حكومة الأمر الواقع، مؤكداً أن تفعيل المادة هو المشرط الجراحي الوحيد المتاح لانتزاع الملف الليبي من قبضة المستفيدين من الجمود.

هذا الجدل الذي انتقل من كواليس جلسات الحوار المهيكل إلى العلن، والذي انضمت إليه سريعاً أصوات أخرى مؤيدة أو منتقدة، لم يعد مجرد خلاف قانوني حول تفسير نص في وثيقة مضى عليها عقد من الزمن، بل تحول إلى معركة تعريفية حول من يملك مشروعية تمثيل الإرادة الوطنية، وكيف تُرسم حدود التدخل الدولي في الشأن الليبي. «ليبيا 24» تنقل تفاصيل هذا السجال وترصد تداعياته.

المادة الرابعة والستون: صمام أمان أم أداة تعطيل؟

تنص المادة الرابعة والستون من الاتفاق السياسي الليبي، الذي وُقّع في مدينة الصخيرات المغربية عام ألفين وخمسة عشر، على أنه «استثناءً، ينعقد الحوار السياسي الليبي بناءً على طلب من أي طرف من أطراف الاتفاق للنظر فيما يعتقد أنه خرق جسيم لأحد بنود الاتفاق».

وُضعت هذه المادة في سياق تاريخي كان يهدف إلى توفير آلية سريعة لمعالجة الخلافات التفسيرية أو الإجرائية التي قد تنشأ بين الأطراف الموقعة، وضمان عدم انهيار التوافق الهش الذي أُنجز برعاية دولية حينذاك.

بعد مرور أكثر من عشر سنوات على التوقيع، ومع تبدل موازين القوى وتحول المشهد من تعددية فاعلة إلى ثنائية شبه محتكرة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، عادت المادة إلى الواجهة بقوة ضمن توصيات مسار الحوكمة في الحوار المهيكل.

واليوم يقف الفرقاء على طرفي نقيض: فريق يرى في إعادة إحيائها محاولة ملتوية لخلق مرحلة انتقالية جديدة تُقصي صناديق الاقتراع وتمنح المجتمع الدولي وصاية مقنّعة، وفريق آخر يعتبرها آخر أدوات التوافق القانوني القادرة على كسر احتكار السلطة وإجبار الأجسام الحالية على الرضوخ لخارطة طريق تفضي إلى انتخابات وطنية.

أطروحة جيهان مطاوع: هندسة الوصاية المبطنة

في مقالها المعنون «المادة (64) مدخل البعثة الأممية لاستدامة المراحل المؤقتة في ليبيا»، تنطلق جيهان مطاوع من فرضية مفادها أن البعثة الأممية تمر بموقف صعب للغاية تحت وطأة ضغوط دولية تتساءل عن فاعلية الأمم المتحدة في ليبيا.

وتجادل بأن البعثة «مجبرة على البحث عن أي مخرج سياسي يحفظ ماء وجهها»، وأنها وجدت في تفعيل هذه المادة بالذات فرصة لربط تحركاتها الحالية باتفاقات سابقة تُضفي عليها شرعية الاستمرار.

وتذهب مطاوع إلى أن الأطراف التي تسوق اليوم لفكرة عقد حوار جديد بموجب المادة الرابعة والستين ليست سوى شخصيات وقوى ساهمت في صياغة اتفاق الصخيرات لكنها وجدت نفسها خارج حسابات المعادلة السياسية الراهنة.
وتقول إن هؤلاء يرون في تعديل الاتفاق من خلال إعطاء دور أكبر للبعثة «فرصة ذهبية ومدخلاً وحيداً لإعادة فرض أنفسهم في المشهد السياسي والدخول مجدداً من الباب الدولي».

وبذلك يصبح إحياء المادة، بحسب تحليلها، تقاطعاً للمصالح بين بعثة تبحث عن بقاء دورها وأطراف مستبعدة تبحث عن عودة مقاعدها.

وعند تناولها «ميثاق الضمانات» المرفق بمخرجات مسار الحوكمة، تحذر مطاوع من أن الهدف الحقيقي للإصرار على تفعيل المادة يكمن في «شرعنة الوصاية الدولية وتحويل دور المجتمع الدولي من ميسر وداعم فني إلى مقرر وضامن مفوض يملك سلطة الإشراف والمتابعة بقرارات مجلس الأمن».

وترى أن العودة إلى وثيقة مضى عليها عشر سنوات لتعديلها لا تعني شيئاً واحداً سوى «دخول البلاد في مرحلة انتقالية جديدة تُمنح فيها المساحة الأكبر للمجتمع الدولي»، مؤكدة أن هذه القراءة النقدية لم تأت من فراغ بل من مشاركتها المباشرة في جلسات الحوار.

الخلاصة التي تنتهي إليها مطاوع قاطعة: تفعيل المادة الرابعة والستين هو «هندسة جديدة» للعملية السياسية تهدف إلى خلق مرحلة انتقالية تلتف على الاستحقاق الانتخابي وتصادر حق الشعب الليبي في إنهاء المراحل المؤقتة عبر صناديق الاقتراع.

وما يعزز موقفها، برأيها، أن المادة وُضعت أصلاً كصمام أمان ظرفي لعام ألفين وخمسة عشر، وأن محاولة استدعائها اليوم بعد أن تغير المشهد بالكامل تثير سؤالاً قانونياً محورياً: من يملك الحق في تقديم طلب الانعقاد بوصفه طرفاً أصلياً في الحوار الآن وقد تفرق الموقعون وتبدلت صفاتهم؟

طرح أسعد زهيو: تفنيد «هندسة الوهم» وكشف المعرقلين

لم يتأخر الرد من أسعد زهيو الذي نشر مقالاً مطولاً بعنوان «تهافت السردية التعطيلية.. تفكيك هندسة الوهم في قراءة المادة (64)». يبدأ زهيو هجومه المضاد بوصف أطروحة مطاوع بأنها «قراءات تحاول تسويق العقم والانسداد كحالة قدرية وتغليف الرغبة في الإبقاء على الوضع القائم بنصوص قانونية تُقرأ مجتزأة وموجهة لخدمة أهداف ضيقة».

ويتهم المقال بأنه ليس سوى «صدى للأصوات التي حاولت جاهدة هندسة بقاء حكومة الأمر الواقع تحت غطاء مخاوف الوصاية والدفاع عن السيادة»، مشيراً إلى أن تتبع المنصات الإعلامية الممولة من الحكومة التي تنشر هذا الخطاب «كفيل بإنهاء أي شك وإظهار الحقيقة العارية للرأي العام».

وعلى المستوى القانوني، يعتبر زهيو أن الانطلاق من مغالطة مفادها أن المادة الرابعة والستين ماتت بالتقادم يمثل «قصوراً في فهم طبيعة النصوص الدستورية والاتفاقات السياسية الإطارية»، لأن الوثيقة الأم لا تزال تمثل المصدر الوحيد لشرعية الأجسام القائمة اليوم.

ويرى أن الانسداد السياسي الحالي ليس حالة طبيعية بل هو «خرق جسيم فعلي ومستمر متمثل في انهيار التوافق الوطني وانقسام السلطة التنفيذية»، وبالتالي فإن تفعيل المادة ليس استدعاء للماضي بقدر ما هو «استخدام للميكانيزم القانوني التوافقي الوحيد المتاح لكسر احتكار الأجسام الحالية التي تحولت إلى أدوات لإطالة أمد الأزمة».

ثم ينتقل زهيو إلى قلب الطاولة على منتقديه، متهماً إياهم بأنهم من يمارسون استراتيجية التعطيل عبر طرح «تساؤلات تعجيزية» وبدائل ملغومة.

ويكشف في هذا السياق أن الأطراف التي تتماهى معها مطاوع هي من اقترحت خلال جلسات الحوار إجراء انتخابات برلمانية فقط مع الإبقاء على الحكومة الحالية لإدارتها، أو الدفع بمسار الدستور أولاً والمؤتمر التأسيسي، وهو ما يحتاج زمنياً إلى سنتين على الأقل.

ويقول زهيو إن هذه «هدية مجانية سعى هذا التيار لتقديمها لحكومة طرابلس لمنحها شرعية تمديد واقعية جديدة»، مما يوضح بجلاء من هو الطرف الذي يلتف على الانتخابات ويصادر حق الليبيين.

وفي دفاعه عن ميثاق الضمانات، يؤكد أن دور المجتمع الدولي والبعثة لم يكن مقرراً بل ميسراً وقناة للتواصل عجزت الأطراف المحلية عن فتحها، وجاء الميثاق ليكون «الضامن لالتزام الجميع بالتعهدات منعاً لتكرار سيناريوهات النكوص والغدر السياسي».

ويختم زهيو بتحدٍ علني يرفع فيه «راية التحدي»، متسائلاً إن كان هناك سطر واحد أو مقترح صيغ بتوجيه من البعثة، ومؤكداً أن كل المخرجات كانت ليبية خالصة صاغها الليبيون بأنفسهم، في حين كان الطرف الآخر «يمارس دور المعرقل والمحبط طوال فترة الحوار، يضع العصي في الدواليب دون أن يملك الشجاعة على تقديم بديل وطني واحد».

ردود أفعال متباينة: من التأييد المطلق إلى الحنين للانضباط الذاتي

سرعان ما انقسمت ردود الفعل على هذا السجال العلني. الباحث السياسي مصطفى الفيتوري تدخل موجهاً حديثه لزهيو بالقول: «اتفق معك تماماً وقولك هذا يمثل وجهة نظري حول اللغط الذي يثار أحياناً حول المادة 64 بالذات من البعض ممن أحياناً ينكرون الاتفاق السياسي المحتوي لها نفسه مع أنه بمثابة دستور مؤقت للبلد».

بهذا التأييد المطلق، ينحاز الفيتوري إلى التيار الذي يعتبر الاتفاق السياسي المرجعية الدستورية الوحيدة القابلة للحياة، وأن أي محاولة لتقويض آلياته تصب في مصب إطالة الانسداد.

أما سنديانة أحمد أبودراعة، عضو الحوار المهيكل، فعبّرت عن موقف أكثر دقة، موجهة رسالتها لزهيو بعبارة تحمل مزيجاً من الاتفاق والتحسر: «الاخ المحترم اسعد يجول في خاطرك نفس العبارة التي ارددها.. ليتنا تمسكنا بتطبيق مدونة السلوك ولم نصل الى مساوئ احتوائهم في التوصيات.. اعتز وافتخر بأن من جمعني بك هي ليبيا».

هنا ينكشف بُعد آخر من أبعاد الخلاف داخل الحوار المهيكل نفسه؛ إذ تشير أبودراعة إلى أن الإشكالية لم تكن يوماً في النصوص أو الآليات، بل في إصرار بعض الأطراف على عدم احترام قواعد اللعبة التي وُضعت لضبط إيقاع الحوار.

ودعوتها إلى تطبيق مدونة السلوك تعكس قناعة بأن الخرق الجسيم الحقيقي لم يكن مقتصراً على نص المادة الرابعة والستين، بل تجسد في سلوكيات التعطيل والمناورة داخل الغرف المغلقة، وهو ما جعل احتواء هؤلاء في التوصيات خطأً استراتيجياً.

قراءة تحليلية: بين البراغماتية السياسية وخطر الخواء الدستوري

تكشف هذه المعركة الكلامية، في جوهرها، عن إشكالية أعمق تواجه المسار السياسي الليبي برمته: النص القانوني في سياق الانتقالية المزمنة لا يُقرأ كأداة محايدة لتنظيم الخلاف، بل يُوظف كورقة ضغط من كل طرف لتمرير مشروعه. فما تعتبره جيهان مطاوع مدخلاً دولياً لتمديد الوصاية وتأجيل الانتخابات، يراه أسعد زهيو الميكانيزم الوحيد المتاح لكسر الاحتكار الثنائي الذي حول الأجسام التشريعية والتنفيذية إلى غرف محاصصة لا تعبر عن إرادة الناخبين.

وعند تفكيك الخطابين، نجد أنفسنا أمام سؤال مركزي لا يخص ليبيا وحدها: كيف يمكن لدولة في طور الانقسام أن تُنتج شرعية جديدة دون أن تمر عبر بوابة التوافق الذي يحتاج بدوره إلى ضمانات؟ أنصار تفعيل المادة الرابعة والستين يراهنون على أن الضمانات الدولية المؤقتة أقل ضرراً من استمرار حالة الفراغ الدستوري وفقدان الثقة المتبادل، بينما يرى معسكر التحفظ أن أي تسليم بدور إشرافي للمجتمع الدولي، حتى لو كان مؤقتاً، يفتح الباب أمام إعادة إنتاج تبعية تآكل ما تبقى من سيادة.

غير أن مراقبين يلفتون إلى أن الجدل قد يكون محكوماً بعامل الوقت أكثر من النصوص. إذ أن غياب أفق انتخابي واضح، وتقادم الأجسام الحالية، يدفعان كل طرف إلى استخدام القانون ليس كمرجعية عليا بل كمجرد ذخيرة في صراع البقاء.

فالحكومة منتهية الولاية التي تتهمها مطاوع بالالتفاف على الانتخابات هي نفسها التي لا تملك شرعية صندوق الاقتراع، في حين أن الأجسام التي يدافع عنها زهيو (مجلس النواب والأعلى للدولة) تجاوزت مددها الانتخابية وتستمد وجودها من نفس التوافقات الدولية التي تنتقدها مطاوع.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الخلاف الحقيقي لا يدور حول تفسير المادة الرابعة والستين في ذاتها، بل حول كيفية تعريف «الخرق الجسيم».

بالنسبة لمعسكر زهيو، الخرق الجسيم هو استمرار الانقسام الحكومي وتعطيل إرادة الاقتراع، وبالتالي فإن مجرد بقاء الوضع على ما هو عليه يُعد خرقاً مستداماً يستوجب تفعيل المادة.

أما معسكر مطاوع، فيتمسك بأن الخرق الجسيم لا يمكن أن يُقرأ إلا في سياقه التاريخي الضيق المتعلق بخرق بنود محددة من اتفاق ألفين وخمسة عشر، لا أن يُستخدم كمطية لتغيير النظام السياسي برمته عبر حوار غير مكتمل التمثيل.

مستقبل الحوار المهيكل ومسار الانتخابات: بين مشرط الجراح واستمرار الغيبوبة

في المحصلة، يبقى المشهد الليبي أسير معضلة كلاسيكية: كيف تخرج من دائرة الفراغ الدستوري دون أن تقع في فراغ جديد؟ الحوار المهيكل الذي راهنت عليه البعثة الأممية لكسر حالة الشلل يبدو اليوم وقد انقسم على نفسه، ولا يملك القدرة على فرض إرادته على أطراف تملك من أدوات المماطلة والعرقلة ما يكفي لإفشال أي مسار لا يخدم مصالحها المباشرة.

المادة الرابعة والستون، بالنسبة لكثير من الليبيين الذين يتابعون هذا السجال، لا تعدو أن تكون انعكاساً لفشل النخبة السياسية في إنتاج بديل وطني خالص.

فالوصاية التي تخشاها مطاوع ليست قدراً محتوماً، لكنها أيضاً ليست وهماً يبدده زهيو؛ إنها نتيجة منطقية لعجز الفرقاء المحليين عن الاتفاق على قواعد لعبة جديدة دون الاستناد إلى حكم خارجي.

وسواء أكان تفعيل المادة هو الحل أم لا، فإن استمرار السجال بالوتيرة الحالية دون خطوات ملموسة على الأرض يعني ببساطة أن شرعية الأمر الواقع ستظل هي الغالبة، وأن ليبيا ستبقى تدور في مدار الانتقاليات المفتوحة.

يبقى صوت سنديانة أحمد أبودراعة معلقاً في الأذهان، وهي تنادي بالعودة إلى مدونة السلوك وكأنها تذكّر الجميع بأن الأزمة ليست في ندرة النصوص أو تشعب التفسيرات، بل في غياب الإرادة الحقيقية للانضباط. ففي بلد أنهكته الحروب والمحاصصة، يحتاج الليبيون إلى ما هو أبعد من المادة الرابعة والستين؛ يحتاجون إلى لحظة حقيقة عارية يتجرد فيها الجميع من أهوائهم، وهو ما لم تنجح جلسات الحوار في إنتاجه بعد.

وحتى ذلك الحين، سيبقى الجدل حول المادة الرابعة والستين مرآة لانقسام لن يُحسم بالنصوص وحدها، بل بصناديق الاقتراع التي يخشاها الكثيرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى