ليبيا بين وفرة النفط وتزايد فاتورة استيراد الوقود.. تحديات الدعم واتساع دائرة التهريب
فجوة بين كميات الوقود المستوردة وحجم الاستهلاك المحلي

رغم امتلاك ليبيا واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا، فإنها لا تزال تعتمد على استيراد كميات كبيرة من الوقود المكرر لتلبية احتياجات السوق المحلية، نتيجة محدودية الطاقة التكريرية.
وقد برز ملف تهريب الوقود خلال السنوات الأخيرة باعتباره أحد أبرز التحديات الاقتصادية، بعدما تجاوز كونه قضية أمنية ليصبح عاملًا مؤثرًا في كفاءة إدارة الموارد العامة.
وأعاد تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية تسليط الضوء على هذه القضية، مشيرًا إلى وجود فجوة بين كميات الوقود المستوردة وحجم الاستهلاك المحلي المتوقع، بما يعزز الشكوك بشأن تسرب جزء من الإمدادات إلى شبكات تهريب داخلية وعابرة للحدود.
ويستند نشاط التهريب إلى الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعومة في ليبيا وأسعاره في الدول المجاورة، إذ تتيح منظومة الدعم الحكومي بيع الوقود محليًا بأسعار منخفضة جدًا مقارنة بالأسواق الإقليمية، وهو ما يوفر حافزًا اقتصاديًا لإعادة بيعه خارج البلاد بعوائد أعلى. كما تسهم الحدود البرية الممتدة والساحل الطويل على البحر المتوسط في تسهيل عمليات التهريب.
المؤشرات والأرقام
يتجاوز إنتاج ليبيا الحالي 1.3 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، إلا أن محدودية قدرات التكرير تجعلها تعتمد على استيراد البنزين والمشتقات النفطية لتغطية الطلب المحلي.
وكشفت مراجعة حديثة صادرة عن ديوان المحاسبة عن اختلالات هيكلية في إدارة منظومة دعم المحروقات، من أبرزها غياب التنسيق بين وزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة عند تقدير احتياجات السوق، ما أدى إلى عدم دقة تقديرات الكميات المطلوبة وعدم توافق بعض الواردات مع الاحتياجات الفعلية.
كما أشار التقرير إلى اعتماد الدولة بصورة شبه كاملة على نظام مبادلة النفط الخام بالمشتقات النفطية خارج إطار الموازنة العامة خلال السنوات الأخيرة، في حين لم تُدرج مخصصات مباشرة لدعم المحروقات في ميزانيتي 2023 و2024، بعد أن بلغت قيمة هذا البند نحو 5.28 مليارات دينار خلال عام 2022.
واعتبر الديوان أن هذا الأسلوب أدى إلى تقليل القيمة الحقيقية للإيرادات والمصروفات المالية بنسبة تراوحت بين 30 و35%، فضلًا عن مساهمته في تضخم كميات الوقود المستورد وارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة غياب آلية موحدة لتحديد احتياجات السوق.
ورصد التقرير كذلك ضعفًا في تحصيل الإيرادات الناتجة عن بيع الوقود محليًا، إذ لم تتجاوز المبالغ المحولة إلى وزارة المالية خلال الأعوام 2022 و2023 و2024 نحو 596.7 مليون دينار، رغم ارتفاع حجم الإنفاق على المنظومة.
الانعكاسات الاقتصادية
يمتد تأثير تهريب الوقود إلى مجمل الاقتصاد الليبي، إذ يؤدي ارتفاع فاتورة الاستيراد إلى زيادة الضغوط على المالية العامة وتقليص الموارد المتاحة للإنفاق على قطاعات خدمية وتنموية، في ظل اعتماد الاقتصاد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن اتساع الحدود البرية الليبية، التي تتجاوز 4300 كيلومتر، إلى جانب انخفاض أسعار الوقود المدعومة مقارنة بالدول المجاورة، يشكلان عاملين رئيسيين في تنامي نشاط التهريب. كما تسهم الكثافة السكانية المحدودة مقارنة بحجم الإنتاج النفطي، وارتفاع الطلب في الأسواق المحيطة، في تعزيز الجدوى الاقتصادية لهذه الأنشطة.
وتوضح المؤشرات الواردة في التقارير أن التحديات المرتبطة بملف الوقود لا تقتصر على منظومة الدعم، بل تشمل أيضًا آليات تقدير الاحتياجات، وإدارة التوريد، والرقابة على التوزيع، بما يجعل معالجة هذه الاختلالات عنصرًا أساسيًا في تعزيز كفاءة الإنفاق العام وحماية الموارد الاقتصادية.



