
ليبيا 24
في مشهد يعكس عمق المأساة التي تعيشها ليبيا وجد الليبيون أنفسهم فجأة وقد عادوا إلى “نقطة الصفر” بعد أن ساد الظلام الدامس معظم أنحاء البلاد إثر انهيار شامل لمنظومة الكهرباء، في وقت يتخبط فيه رئيس حكومة منتهية الولاية عبدالحميد الدبيبة بين اتهام مسؤوليه بالفشل تارة، والتهرب من مسؤوليته الشخصية تارة أخرى. وبين انقطاع الكهرباء، وأزمة وقود متفاقمة، واتهامات بالفساد تنخر جسد الدولة، يقف المواطن الليبي وحيداً يدفع ثمن صراعات النفوذ وإدارة الحكم العبثية.
انهيار شامل يعيد شبح “البلاك آوت”
بينما تستعد البلاد لموجة حر قاسية تتجاوز فيها درجات الحرارة 42 درجة مئوية، وبعد تحذيرات متكررة من وزارة البيئة من مخاطر اندلاع حرائق الغابات، انهارت الشبكة الكهربائية مساء الجمعة على نحو مفاجئ. وأعلنت وزارة الكهرباء بالحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد أن انهيار تردد الشبكة أدى إلى إظلام تام وفقدان أكثر من 1350 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، جراء خروج عدد من محطات التوليد الرئيسية عن الخدمة، في مقدمتها محطتا الخليج ومصراتة.
وكشف المتحدث باسم وزارة الكهرباء بالحكومة الليبية ربيع خليفة في تصريح لوكالة “رويترز” أن السبب المباشر للكارثة كان فصلاً مفاجئاً في الخط الناقل جهد 400 كيلوفولت الذي يربط بين محطتي مصراتة والخمس. هذا الفصل تسبب في تدفق عكسي للطاقة، مما أدى إلى انهيار متسلسل أطاح بوحدات التوليد الرئيسية وأغرق مناطق شاسعة في الظلام.
وعلى الفور، تحركت الفرق الفنية في المنطقة الشرقية لإعادة بناء الشبكة من الصفر، وبالتنسيق مع الجانب المصري، بدأت إعادة التغذية عبر خطوط الربط الكهربائي، مما مكّن من إعادة تشغيل محطات الزويتينة وطبرق والسرير تدريجياً.
الدبيبة: “فشّكنا عليهم” والآن نبحث عن كبش فداء
في تناقض صارخ مع واقع الانهيار، كان رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبدالحميد الدبيبة، قد خاطب الليبيين في وقت سابق داعياً إياهم إلى بيع مولداتهم الكهربائية، زاعماً أن الشبكة تشهد استقراراً غير مسبوق. أما اليوم، وفي انزياح واضح عن المسؤولية، شن الدبيبة خلال اجتماع مجلس وزرائه العادي الرابع للعام 2026، هجوماً عنيفاً على إدارة الشركة العامة للكهرباء، معتبراً أنها “فاشلة وساقطة” وأنها “أعادت البلاد إلى نقطة الصفر”.
وتساءل الدبيبة بلهجة شعبوية: “بعد ما قعدنا نفشكوا عالليبيين وقلنالهم بيعوا مولداتكم هربتوه من جديد”. لكن هذا الخطاب الذي يحاول تصدير الأزمة، قابله المحللون والمختصون بسيل من التساؤلات الجوهرية.
فالصحفي المتخصص في الشؤون المالية، علي المحمودي، فضح هذا الأسلوب بقوله: “نفس الخطاب الشعبوي في كل مرة للتهرب من المسؤولية… اللي صار أن المشاي طلع برا الطريق”، مشيراً إلى أن مدير الشركة العامة للكهرباء، محمد المشاي، الذي كلفه الدبيبة بنفسه، بات اليوم “كبش فداء” بعد أن لم يعد يسير على “نفس السكة التي تسير عليها عائلة الدبيبة”، وفق تعبير المحلل السياسي محمد قشوط.
تحذيرات متجاهلة واتهامات بالفساد
المثير في الأمر أن كارثة البارحة لم تكن قدراً مفاجئاً. فقد كشف مصدر مسؤول في الشركة العامة للكهرباء أن الإدارة “فضلت الصمت خلال الفترة الماضية لعدم إثارة هلع المواطنين”، لكن الحقائق التي تم الكشف عنها صادمة. فالمهندسون المكلفون من شركة جنرال إلكتريك الأمريكية لاذوا بالفرار من البلاد بعد الاشتباكات التي أصابت محطة الزاوية وأفقدت الشبكة نحو 700 ميغاوات، وهو أمر “مسؤولية الحكومة” التي صمتت كي “لا تخيف بقية الشركات”.
والأخطر من ذلك، أن الشركة أكدت فقدان 1000 ميغاوات بسبب نقص حاد في إمدادات الغاز والوقود، وطالبت الحكومة بوقف تصدير الغاز إلى إيطاليا مؤقتاً لتلبية الاحتياجات المحلية، لكنها “لم تتلق أي رد”.
ويتحمل الدبيبة وحكومته المسؤولية الكاملة عن هذا التقاعس، خاصة بعد أن أثبتت المراسلات أن مدير عام الشركة، عبدالله حمودة كان قد أبلغ الدبيبة والنائب العام كتابياً يوم 4 يونيو الماضي أي قبل شهر كامل من الانهيار، بخطورة الوضع، محذراً من “تداعيات فنية واقتصادية واجتماعية وخيمة”. لكن يبدو أن انشغال الحكومة بتصفية الحسابات كان أكبر من الاهتمام بحياة المواطنين.
وهنا يأتي السؤال الذي طرحه الإعلامي طه البوسيفي: “السبب يا سيد عبدالحميد الدبيبة إن جماعتك داروا بزنس في موضوع العدادات وما خدموشي صح… وجابوا محولات من دولة تانية غير ألمانيا… وياخدوا في ميزانيات باسم الشركة ويصرفوا فيها في حاجات تانية. انت تعرف كويس، رجاء احترم عقولنا”.
فشل في الوقود وتخبط في إدارة الأزمة
ولم تقتصر الفوضى على الكهرباء، بل امتدت لتشمل قطاع الوقود الحيوي، حيث كشف وزير الداخلية بحكومة الدبيبة، عماد الطرابلسي، خلال الاجتماع ذاته، عن عجز حكومته عن السيطرة على الملف.
وبينما أقر بأن “البنزين إمداداته مستقرة”، اعترف بوجود تهريب واضح للديزل، قائلاً بصراحة مذهلة: “التهريب فيه واضح ومعروف ونستطيع مراجعته… لكني لا أستطيع التصادم مع جهات أمنية في هذا الموضوع”. هذا الاعتراف الخطير يكشف مدى تغلغل الفساد ونفوذ الميليشيات المسلحة التي تحمي عصابات التهريب، والتي لا تجرؤ حكومة الدبيبة على مواجهتها، تاركة المواطن يقاسي طوابير الوقود.
وأضاف الطرابلسي أن “المنطقة الجنوبية تأخذ حصتها كاملة من الوقود ولكن ليس لدينا عليها سيطرة في توزيعها”، مستثنياً مدينتي مصراتة والزاوية من سيطرة الحكومة. هذا التوصيف يرسم صورة قاتمة لدولة غائبة، تعترف قياداتها علانية بأنها لا تسيطر على أجزاء من البلاد ولا على توزيع ثرواتها.
المواطن يدفع الثمن.. والعدالة هي الحل الغائب
في خضم هذا العبث، يبقى المواطن الليبي هو الضحية. الباحثة ريم البركي لخصت المأساة بتساؤل موجع: “كيف شعب كامل عايش بدون كهرباء ويشوف في ملياراته تهدر على الطبقة الحاكمة وحاشيتها ومش قادر حتى يدير إضراب عام؟”.
هذا الشعور بالعجز عبر عنه عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة بقوله: “المؤسف أن الدولة الليبية تتوحد اليوم إلا في الأزمات التي أنهكت المواطن… رغم المليارات التي أُنفقت على قطاع الكهرباء، ما زال المواطن يدفع الثمن يومياً”. وتساءل: “أما آن الأوان أيها المواطن أن تسمِع صوتك؟”.
أما جوهر المشكلة فقد شخصه المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي بدقة، مؤكداً أن “الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة الليبية اليوم ليس سببه غياب الموارد، ولا نقص الكفاءات، بل سببه الحقيقي هو الإفلات من العقاب”. وأضاف: “لو كانت هناك عدالة حقيقية، وقضاء مستقل، وقانون يُطبَّق على الجميع دون استثناء، لما تجرأ الكثيرون على التنافس على المناصب العامة… إن بداية الإصلاح في ليبيا ليست بتغيير الأشخاص فقط، وإنما بإقامة دولة العدالة، حيث لا أحد فوق القانون”.
“سلطة العار” والفشل في إدارة المال العام
وعلى الصعيد الاقتصادي، تتكشف أبعاد جديدة للفشل. فقد كشف الصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية علي المحمودي عن أرقام مفزعة للتمويل بالعجز، حيث بلغ إجمالي التمويل بالعجز عن طريق الاحتياطي وخلق النقود 31.7 مليار دينار خلال ثلاثة أشهر فقط.
وارتفع عرض النقود من 203 مليار دينار إلى 216.8 مليار دينار، وهو ما وصفه بأنه “خلق أموال من عدم والسبب الرئيسي في التضخم” الذي يفتك بقدرة المواطن الشرائية. هذه المليارات المطبوعة دون غطاء، تذهب لتمويل الإنفاق الحكومي العبثي، بينما فشلت حكومة الدبيبة في توفير أبسط مقومات الحياة من كهرباء ووقود.
ووسط هذا المشهد العبثي، يتذكر الليبيون مقولة سليمان البيوضي: “لما كنا نحكو على إن الي صاير في الكهرباء حلول تلفيقية… كان أزلام الدبيبة نافخيلنا روسنا باستقرار الكهرباء، وتو بعد خمس سنين من وعوده بحل الأزمة في 6 شهور، الكهرباء في وضع كارثي زيها زي كل الخدمات الي قاعد تنهار يوميا بسبب سوء الإدارة وفشل الدبيبة وحكومته في إدارة البلاد ومؤسساتها”.
ويضيف السفير الليبي الأسبق محمد خليفة العكروت بُعداً آخر للمأساة، داعياً إلى زيادة فرق الصيانة التي لا تتناسب مع حجم الأعطال، حيث يضطر المواطنون للانتظار أياماً وأسابيع لإصلاح أعطال بسيطة، بينما يتكدس الموظفون الإداريون في المكاتب دون طائل.
في نهاية هذا المسرح المأساوي، يقف المواطن الليبي وحيداً في الظلام يطارده لهيب الحر ووطأة الغلاء، تاركاً السؤال الأهم: إلى متى يستمر هذا المسؤول في التنصل من مسؤولياته، متخذاً من “الفشل” الذي يراه في مرؤوسيه ستاراً لفشله الأعظم الذي أثقل كاهل الوطن وأغرق عاصمته في بحر من الظلام؟



