نخب علمية في المهجر.. وصراع المحاصصة يطيح بمستقبل ليبيا
عضو مجلس الدولة يكشف أزمة الكفاءات المغيبة.. ودعوات لجلسة تشريعية مشتركة لكسر جمود المؤسسات
ليبيا 24
ثروة ليبيا الضائعة.. بين كفاءات المهجر وعقلية الإقصاء
في مشهد يعكس مأزق الدولة الليبية، أثار عضو المجلس الأعلى للدولة، سعيد ونيس، جدلاً واسعاً عبر منشور له على منصة التواصل الاجتماعي، كشف فيه عن حجم الثروة البشرية التي تهدرها البلاد في ظل سياسات الإقصاء والمحاصصة التي تنتهجها حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتي أوشكت ولايتها على الانتهاء دون أن تترك بصمة في بناء مؤسسات الدولة.
كفاءات في المهجر.. وفراغ في الداخل
أكد ونيس في منشوره أن ليبيا لا تعاني من نقص في العقول أو الكفاءات القادرة على صناعة الفارق، بل تكمن المشكلة في طريقة إدارة الدولة واستمرار عقلية تدفع إلى الواجهة نماذج تُختار على أساس الولاء والجهوية والاستخدام، بدلاً من الكفاءة والخبرة والاستحقاق.
واستشهد ونيس بعدد من الأسماء العلمية اللامعة التي تنحدر من مدينة سبها وغيرها من المدن الليبية، ومن بينهم الدكتور عبدالله سويسي، الخبير في نظم الطاقة في الجامعات الدولية، والدكتور عبدالوهاب بن اجديرية، المتخصص في التحكم الآلي، والدكتور عبدالسلام هويدي، جراح المخ والأعصاب المقيم في سويسرا، والدكتور ضو سعد مصباح، أستاذ الفيزياء النووية.
هذه النماذج، كما وصفها ونيس، تمثل ثروة وطنية حقيقية اكتسبت خبراتها في مؤسسات دولية مرموقة، وأسهمت في مجالات علمية وتقنية تحتاجها ليبيا بشدة، مشيراً إلى أن وجود هذه الطاقات بعيداً عن مواقع التأثير ليس مجرد خسارة لأشخاص، بل خسارة لخبرات يمكن أن تسهم في بناء مؤسسات الدولة وتطوير قطاعات الطاقة والصحة والتعليم والتقنية والبحث العلمي.
عقلية الإقصاء.. والمحاصصة كآلية للحكم
لم يخف ونيس أن الأجسام التشريعية، التي تتكون في مجملها من ما يزيد عن 270 عضواً، كانت طرفاً في شرعنة هذا الوضع من خلال قوانين العزل والممارسات الإقصائية التي استمرت عالقة في ذهنية تيار التأزيم، مؤكداً أن صراعه مع هذه العقلية ليس خافياً على العامة.
وفي هذا السياق، طالب ونيس بالخروج من حالة التخلف التي فرضتها عقلية التأزيم، والبدء في بناء دولة تستثمر في عقول أبنائها، مشدداً على أن التفكير في جلسة مشتركة بين المجلسين أصبح أمراً لا مفر منه، لتصدر عنها التشريعات وتنظيم السلطة التنفيذية والمناصب السيادية.
الشارع الليبي يرد: كفاءات بلا بيئة حاضنة
أثار منشور ونيس موجة من التفاعل بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر متابعون عن قناعتهم بأن الوضع ليس جديداً، وأن من لا ينتمي إلى المثابات الثورية أو فريق العمل الثوري لن يتحصل على فرصة لإظهار مهاراته أو علمه.
وذهب آخرون إلى القول إن إنتاجية الشخص المعياري تتراجع عندما يعمل ضمن حالة غير معيارية، متسائلين عن كيفية الخروج من هذا النفق إذا كانت الأجسام التشريعية نفسها هي من شرعنت هذا الوضع واعتمدت الأجسام التنفيذية التي تدير المشهد بآليات المغالبة والمحاصصة.
وفي تعليق لاذع، رأى أحد المتابعين أن ليبيا لا تفتقد للخبرات بقدر ما تعاني من أزمة سياسية وأمنية وخلل في قيادة الدولة، مؤكداً أنه بدون حل هذه المعضلة لن نجد حلولاً لأي معضلة من معضلات الحياة.
فشل التجارب السابقة.. ومعوقات العودة
توقف البعض عند تجارب سابقة لاستعادة الخبرات من الخارج، مشيرين إلى أن محاولات إعادة الكفاءات بعد عام 2011 باءت بالفشل، مستشهدين بوزير الكهرباء الذي وعد بحل مشكلة الطاقة، ووزير النفط علي الترهوني، ومصطفى أبوشاقور، وغيرهم من الكفاءات التي كانت لها أدوار مهمة في الخارج لكنها فشلت في الداخل لأسباب يجب معرفتها وحلها.
وأكد هؤلاء على ضرورة التمييز بين إدارة الدولة وإدارة الحكم، فالأولى وظيفة تقنية فنية محايدة، بينما الثانية وظيفة سياسية مؤدلجة في كثير من الأحيان.
دعوات للجلسة المشتركة.. وخطوة نحو التغيير
في خضم هذا الجدل، برزت دعوات واضحة لعقد جلسة تشريعية مشتركة بين المجلسين، تكون قادرة على إقرار قانون انتخابي يضع الكفاءة والوطنية والنزاهة كمعايير أساسية، بدلاً من منطق المحاصصة الذي حول مؤسسات الدولة إلى ساحات لتغول المدن المنتصرة، حتى على أدنى المستويات الخدمية.
غياب الاستقرار.. يقوض جهود الكفاءات
وذهب محللون إلى القول إن قدوم الكفاءات إلى ليبيا في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والتعليمي، وتوفير آليات النجاح، سيجعلها تتساوى مع من وصفوهم بـ”الرعاع الجهلة” المتصدين للمشهد، ويدفعهم إلى مشاركة القطيع معاناته.
وفي قراءة أعمق، رأى مراقبون أن الحكومات الفاشلة تنتهج سياسة إقصاء الكفاءات من مواقع القرار، وتحتوي من يمتهنون الولاء والانتماء القبلي والجهوي لتنفيذ أجندتها الخاصة.



