ليبيا

ليبيا بين فائض النفط وفقر المصافي.. الخبز يرتفع والدينار ينهار وحكومة منتهية الولاية تعجز عن حماية المواطن

دولة النفط تعجز عن تكرير برميل واحد.. وصراع النفوذ يُبقي المصافي خارج الحدود.. الخبز يرتفع والطوابير تعود.. والإنفاق يُنهي ما تبقى من قيمة الدينار

ليبيا 24

دولة النفط الخام تعجز عن تكرير برميل واحد.. والمواطن يدفع الثمن

في مشهد يعكس التناقض الصارخ بين إمكانيات البلاد الهائلة وواقعها المتردي، يعلو سؤال القلق في الشارع الليبي: كيف لدولة تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وأحد أعلى معدلات الإنتاج في المنطقة، ألا تملك حتى اليوم مصفاة واحدة لتكرير ما تخرجه من باطن الأرض؟ سؤال ظل يتردد في المجالس والمنابر، دون أن تجد له مؤسسة النفط الوطنية إجابة مقنعة، إلى أن كشف عضو مجلس إدارة المصرف المركزي السابق، الدكتور امراجع غيث، عن حيرته معلناً أن “كل الليبيين يتساءلون، ولم تستطع المؤسسة نفسها الإجابة”.

غير أن الغموض لم يدم طويلاً، إذ بادر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، بنفي وجود أي حظر دولي، مؤكداً أن شركة أمريكية تقدمت بعرض جاد لإنشاء مصفاة في طبرق بطاقة مئتي ألف برميل يومياً، واطّلع الخبراء الليبيون على دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية، لكن المشروع قوبل بالصمت المطبق، مختزلاً المأساة بعبارة وجيزة: “لا حياة لمن ينادي”.

وأضاف الفيتوري أن الحل الأمثل يكمن في انتخاب رئيس للبلاد يتولى لملمة الأطراف، وإلا ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة من التعطيل والفساد.

غياب المصافي.. ضعف إيرادات وإهدار للثروة

ويأتي تعليق فيصل المغربي، عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للعلوم الإدارية، ليكشف البعد السياسي للأزمة.

فبعد أن أشار إلى أن المتحدث باسم شركة البريقة قدّم إجابات ملخبطة حول دراسات الجدوى، ذهب إلى جوهر المسألة، معتبراً أن بناء مصافٍ قرب الحدود مع الدول المجاورة الفقيرة بالنفط كان يمكن أن يحقق عائدات تزيد بعشرين ضعفاً عن بيع الخام، لكنه أكد أن “الجانب الغربي من البلاد، وتحديداً طرابلس، لن يقبل بأي حل أو شخصية تنقل صلاحيات المال والسلطة بعيداً عنه”.

وذهب المغربي إلى اقتراح جريء، وهو تبني نظام كونفدرالي مؤقت لمدة عام، يدفع بالمسؤولين عن نهب المال العام في العاصمة إلى الفرار خارج البلاد، قبل أن تعود حكماء طرابلس لطلب العودة إلى نظام اتحادي فيدرالي يحفظ مرتبات الشعب.

وفي رده، أوضح غيث أنه سأل أحد الرؤساء السابقين للمؤسسة النفطية، فكانت إجابته بعيدة عن المنطق العملي، مستغرباً عدم جذب مستثمرين أجانب إذا كانت القدرات المالية والفنية محلية غير كافية، ومذكّراً بما ورد على لسان الدكتور أحمد عويدات من أن ليبيا تملك مصافٍ في الخارج عبر شركة الاستثمارات النفطية، مثل مصفاة النخلة العوجة، في إشارة إلى تناقض غريب بين امتلاك أصول خارجية والحرمان من وجودها في الداخل.

ارتفاع الخبز يفضح وهن شبكة الحماية الاجتماعية

على الجانب الاجتماعي، لم ينتظر الليبيون طويلاً حتى انعكست الأزمة النفطية على موائدهم اليومية، حيث دوّن أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، ملاحظة صادمة عن ارتفاع واضح في سعر رغيف الخبز لدى معظم المحلات، مطالباً بتفعيل شبكة الحماية الاجتماعية عبر صندوق موازنة الأسعار.

وأشار الشريف إلى أن وزير الاقتصاد في حكومة الدبيبة أبلغه مباشرة بالسعي لتوفير سلع أساسية من خلال الصندوق، لكنه أبدى خشيته من معارضة “أصحاب المصلحة” المستفيدين من الاحتكار، مؤكداً أن الاستيراد سيتم مباشرة من قبل الصندوق وليس عبر التجار.

غير أن الخبير الاقتصادي إدريس الشريف أبدى تشككاً عميقاً، معتبراً أن التجار المتعاملين مع صندوق موازنة الأسعار هم أنفسهم من سينتهزون هذه الفرصة، مشيراً إلى أن الطاقة الإنتاجية للمطاحن المحلية تفوق حاجة السوق، لكن الاعتمادات ستمنح لشراء القمح من التجار أنفسهم، وكذلك الحال بالنسبة لمضارب الأرز والسلع الأخرى كالطماطم والزيت والسكر، حيث يملك التجار شركات في تونس وتركيا ودبي ومصر، وهم من سيصبحون موردي الصندوق، وهو ما ينفي جدوى الاستيراد المباشر.

سياسة الإنفاق.. حكومة بلا ميزانية تنكر تسببها في تآكل الدينار

على الصعيد النقدي، وجه الدكتور علي الشريف انتقاداً لاذعاً للرسالة التي أرسلها وزير المالية بحكومة الدبيبة إلى محافظ المصرف المركزي، والتي حاولت فيها الوزارة تبرئة الإنفاق الحكومي من تدهور سعر الصرف.

ورأى الشريف أن هذا الطرح يفتقر إلى التوازن، مؤكداً أن الإنفاق العام، بفواتير المرتبات المتضخمة ودعم المحروقات والمبالغ الطائلة في الباب الرابع من الموازنة، هو العامل الأهم في انهيار قيمة الدينار. ودعا إلى ضبط هذه البنود قبل الحديث عن عوامل أخرى.

غير أن المفارقة الأكبر، كما أشار إليها غيث، تكمن في سؤال جوهري: أين قانون مجلس النواب الذي يعتمد الميزانية لحكومة الدبيبة منتهية الولاية لتنفق بموجبه؟ الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول شرعية الإنفاق الجاري أصلاً، ويؤكد أن الأموال تُصرف خارج أي إطار تشريعي أو رقابي.

وعلّق رجل الأعمال حسني بي بأن رسالة الوزير كانت “مبطنة” وتحاول القول: “لست أنا من ينفق”، في إشارة إلى أن الإنفاق الفعلي يتم خارج إشراف الوزارة ذاتها.

من جهته، أكد إدريس المحجوب، مفتش ومراجع حسابات بديوان المحاسبة، أن الحاجة ملحة لضبط عام في كل المؤسسات، لكنه لفت إلى أن جملة “ضبط الإنفاق العام” أصبحت شعاراً متداولاً دون جدوى، فالموازنة العامة تفتقر إلى التطوير في أساليب الإعداد، ومجلس النواب يتغاضى عن إصدار قانون الموازنة بما يفقده دوره الرادع، وإجراءات الصرف تخلو من الرقابة المسبقة والداخلية، مما يؤدي إلى هدر واسع في المال العام.

الطوابير تعود رغم ارتفاع النفط.. دروس من الماضي

في إطار المقارنة التاريخية، استذكر الدكتور علي الشريف سياسة التقشف التي قادها المهندس جادالله الطلحي في نهاية الثمانينات عندما انهارت أسعار النفط، مشيداً بنجاحها في تخفيف الآثار السلبية.

لكنه أشار إلى التناقض المذهل اليوم: فرغم ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، فإن جميع المؤشرات الاقتصادية في أسوأ حالاتها، وتعاود ظاهرة الطوابير الظهور كما كانت قبل عقود. وتساءل: هل ستزول هذه الطوابير مستقبلاً؟

وردّ حسني بي بتذكير مرير بما حدث بين عامي 2016 و2018، حين انهار الدينار من ثلاثة دولارات وثلاثين سنتاً للدينار الواحد إلى دولار واحد مقابل ألف وأربعمائة دينار، مع وصول السعر الموازي إلى ألف وخمسمائة في المئة فوق السعر الرسمي، في واحدة من أسوأ الأزمات النقدية في تاريخ ليبيا.

الصراع على المال يعيق أي إصلاح.. والمواطن وحيد في المواجهة

ما يستشف من هذا النقاش المتشابك هو أن الأزمة الليبية ليست فنية أو إدارية بحتة، بل هي صراع حاد على النفوذ والسيطرة على موارد النفط والمال. فغياب المصافي ليس ناتجاً عن عوائق تقنية، بل عن إرادة سياسية مفقودة، واحتكار الفاعلين في الغرب للقرار المالي، وخوفهم من فقدان قبضتهم على مفاصل الدولة.

والمقترحات الجريئة كنظام كونفدرالي مؤقت، رغم صعوبتها، تكشف عن يأس شعبي من استمرار الوضع الراهن الذي يحوّل ثروات البلاد إلى أداة للنهب والاستحواذ.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر، إذ يدفع ثمن رغيف الخبز أغلى مما ينبغي، وينتظر في طوابير للحصول على سلعة مدعومة، بينما يراكم الفاسدون ثرواتهم في حسابات خارجية، وتفشل الدولة في بناء أبسط مرافق التكرير لتوفير مشتقات النفط محلياً.

الحل، كما يرى الأكاديميون والخبراء، لا يكمن في منشورات فيسبوك ولا في رسائل وزارية تبرئ المسؤولين، بل في إرادة سياسية تتجاوز المصالح الضيقة، وتوحيد المؤسسات المالية، وضبط الإنفاق، وبناء اقتصاد حقيقي متعدد الموارد لا يكتفي ببيع الخام ويشتري المشتقات بأضعاف الثمن، وفي قلب كل ذلك، استعادة ثقة المواطن بأن دولته تعمل لصالحه وليس ضده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى