تحت سماء نفطية مشتعلة.. ليبيا تغرق في ظلام دامس ومواطنوها يدفعون ثمن فشل حكومة منتهية الولاية
من أرحب الفيافي إلى ظلام دامس: مفارقة الكهرباء الليبية تكشف هشاشة الدولة وتخليها عن مواطنيها
ليبيا 24
عتمة ليبيا تبتلع وعود الإنعاش: انقطاعات قياسية واحتجاجات غاضبة تحت سماء نفطية مشتعلة
من أرحب الفيافي إلى عتمة المنازل.. مفارقة تحرق الأعصاب قبل الأجهزة
في الوقت الذي تعلن فيه المؤسسة الوطنية للنفط وصول إنتاج الخام إلى نحو مليون وأربعمئة وأربعة وأربعين ألف برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ ثلاثة عشر عاماً، يعيش المواطن الليبي في طرابلس ومدن الشرق والجنوب على وقع انقطاعات كهربائية تتجاوز خمس ساعات يومياً، في مشهد وصفه مراقبون بأنه تجسيد حي لفجوة سحيقة بين ثروات البلاد وواقع سكانها المكلومين.
ففي أغسطس 2026، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد حدث طارئ يمر به الليبيون كغيره من الأزمات المتلاحقة، بل تحولت إلى حالة وجودية تمس تفاصيل الحياة اليومية، من امتحانات الشهادة الثانوية في بلدية تاجوراء، إلى تلف الأطعمة في منازل لا تملك ثمن المولدات، وصولاً إلى تهديد ألفي جرعة لقاح بالتلف في مخازن مركز الرقابة على الأغذية والأدوية بعد انقطاع الكهرباء عنها ثلاثة أيام متتالية.
وتكشف بيانات غرفة الطوارئ والبلاغات المركزية بالشركة العامة للكهرباء عن استقبال خمسة عشر ألفاً وخمسمئة وثمانين بلاغاً خلال يوم واحد فقط، شكلت شكاوى طرح الأحمال ثلاثة وستين فاصلة ثمانية بالمئة منها، فيما تصدرت طرابلس المدن بنسبة واحد وخمسين فاصلة ستة بالمئة، في مؤشر رقمي صارخ على حجم الكارثة التي لم تعد تختبئ خلف البيانات الرسمية المطمئنة.
إدارة الأزمة.. من التطمينات الجوفاء إلى التحذيرات الملتهبة
في مواجهة هذا الواقع المشتعل، لم تقدم حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها سوى بيانات تحذيرية من مخاطر التدخل الفردي في المحطات، بينما غاب تماماً أي طرح جاد لمعالجة الجذور.
فالشركة العامة للكهرباء، وفي بيانين متتاليين، حذرت من أن “التعدي على الشبكة قد يؤدي إلى الإظلام التام”، وأن “أي تدخل فردي قد تكون نتيجته إظلام منطقة كاملة أو انهيار الشبكة بالكامل”، لكنها لم تقدم إجابة واضحة عن السؤال الذي يطرحه كل ليبي: لماذا وصلنا إلى هذه النقطة أصلاً؟
ويرى المحلل السياسي حسام الفنيش أن أزمة الكهرباء أصبحت “مركبة”، ولم تعد محصورة في الإنتاج والتوليد، بل ترتبط بكفاءة الإدارة والإنفاق وتوزيع الموارد، متسائلاً عن مسار الوقود والغاز المخصصين لمحطات التوليد بعد سنوات من الإنفاق الضخم.
أما المحلل السياسي هشام سالم الحاراتي فيذهب أبعد من ذلك، منتقداً مطالبة الحكومة بترشيد استهلاك الوقود التي “أغفلت أن لجوء المواطنين إلى المولدات لم يكن ترفاً، بل نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء”، مشيراً إلى أن تعليقات المواطنين على البيان الحكومي أرجعتها إلى ما يتردد حول تهريب الديزل المدعوم وارتفاع سعره في السوق السوداء.
المليارات المتبخرة.. أين ذهبت أموال الليبيين؟
وفقاً لتقارير ديوان المحاسبة، أنفقت حكومة الوحدة حتى نهاية عام 2024 نحو أربعة وعشرين مليار دينار لصالح الشركة العامة للكهرباء، أي ما يعادل ثلاثة فاصلة سبعة مليارات دولار بالتقريب، دون أن يلمس المواطن أي تحسن ملموس في الخدمة.
الناشط السياسي طه حديد يلخص هذه المفارقة بقوله: “منذ سنوات والمليارات تُضخ لقطاع الكهرباء، والوعود الحكومية بأن انقطاع الكهرباء أصبح من الماضي وأن الإنتاج في الكهرباء تضاعف، لنتفاجأ هذا الصيف بهذه الانقطاعات المتكررة واليومية لساعات طويلة”.
ويضيف أن “المواطن الليبي يدفع الثمن مرتين، الأولى من المال العام الذي يُنفق دون أثر ملموس، والثانية من مدخراته لشراء المولد وصيانته والبحث عن وقود لتشغيله”.
وفي السياق ذاته، يتحدث المحامي والناشط الحقوقي عصام التاجوري عن “ميزانيات طوارئ تراكمية” بلغت نحو تسعين مليار دينار لم تنجح في منع تكرار الإظلام الشامل، متسائلاً عن أوجه إنفاق هذه الأموال ومدى انعكاسها على تطوير الشبكة.
الجنوب المنسي.. أربعمئة ساعة من العتمة وأصوات لا تصل
في بلديات العوينات وتهالة وغات والبركت، عاش نحو أربعين ألف مواطن أكثر من ثلاثمئة وأربعين ساعة من الانقطاع الكامل للكهرباء، بحسب حسن عيسى، المتحدث باسم غرفة طوارئ بلدية غات، الذي يؤكد أن “فرحة عودة التيار تبقى منقوصة في ظل استمرار المخاوف من تكرار الأزمة”.
الناشط حسن صلاح من بلدية العوينات يرسم صورة أكثر قتامة، حين يشير إلى أن سعر المولد الصغير يتجاوز ثلاثة آلاف وخمسمئة دينار، فيما تزيد أسعار المولدات الأكبر على عشرة آلاف دينار، مع محدودية البنزين والديزل حيث يباع اللتر رسمياً بنحو خمسة عشر درهماً بينما يتجاوز الدينار في السوق السوداء، في خلاصة تعني أن “امتلاك المولدات اقتصر على طبقة محدودة من سكان الجنوب الذين يعاني أغلبهم محدودية الدخل”.
الشرق ليس بمنأى.. بنغازي تغرق في الظلام
آمال بوقعيقيص، عضو لجنة الحوار السياسي، تنتقد ما وصفته بـ”غرق بنغازي في الظلام”، مشيرة إلى انقطاع الكهرباء في بعض مناطق المدينة لمدة تزيد على خمس ساعات يومياً، “في وقت لا يملك فيه كثير من السكان ثمن المولدات، فضلاً عن تذبذب توافر الديزل اللازم لتشغيلها”.
لكن بعض سكان المدينة يرون أن الأوضاع تحسنت مقارنة بالسنوات الماضية، مرجعين الانقطاعات الحالية إلى زيادة الطلب خلال الصيف والتوسع العمراني، في إشارة إلى تباين الإدراك الشعبي لحدة الأزمة بين المناطق.
الاحتجاجات الشعبية.. غضب يتجاوز الصبر
خرج متظاهرون في مناطق تاجوراء وسوق الجمعة وأغلقوا الطرق بالسواتر الترابية تنديداً بتدهور الخدمات، فيما أقدم محتجون على اقتحام بعض محطات التوليد والتحويل للتلاعب بالتيار، وهو ما دفع الشركة العامة للكهرباء إلى التحذير من خطورة هذه التصرفات.
الناشط السياسي أنس الزيداني يعتبر أن “ما حدث من تعدٍّ وتخريب لمحطات الكهرباء أمر في غاية الخطورة”، وأن “هذه جريمة في حق المواطن الليبي الذي يدفع الثمن من راحته وأمنه وحياته اليومية”، مضيفاً أن “من يعبث بمحطات الكهرباء لا يقطع التيار عن مبنى أو شارع، بل قد يحرم ملايين الليبيين من خدمة أساسية ومستشفيات وغرف عناية ويمسّ مقدرات دولة بأكملها”.
“الظلم عندما يكون على الجميع عدل”.. مطالب بالشفافية
الإعلامي ناظم الطياري يطالب الشركة العامة للكهرباء بإنزال جدول يحدد ساعات طرح الأحمال على جميع المناطق، قائلاً: “مهما كانت ساعات طرح الأحمال المطلوبة لكن تكون بعدل على جميع المناطق والمدن، الناس بعدها ستشعر بالعدل في توزيع الأحمال”. ويضيف: “الظلم عندما يكون على الجميع عدل”.
أما الكاتب عبدالفتاح الشريف فيؤكد أن “أزمة الكهرباء في ليبيا لا يمكن اختزالها في تغيير إدارات الشركة العامة للكهرباء”، مشيراً إلى أن المشكلة ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل التوليد والنقل والتوزيع والتحكم والصيانة والوقود والحوكمة، داعياً إلى حلول إسعافية مثل استئجار محطات كهرباء عائمة وربطها بالشبكة، ومشروعات شمسية سريعة التنفيذ، واستثمارات طويلة الأجل في محطات الغاز وشبكات الكهرباء الحديثة.
مهرجانات الترف مقابل أزمات الشعب
الناشط السياسي أحمد العشيبي يوجه انتقاداً لاذعاً للحكومة، قائلاً إن “لجوء الحكومة إلى تنظيم ورعاية المهرجانات والفعاليات، في ظل أزمات الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار، يعكس عجزها عن تقديم حلول حقيقية”، مضيفاً أن “المهرجانات تمنح الحكومة مشهداً إعلامياً مختلفاً عن واقع الأزمات، من موسيقى وأضواء واحتفالات، بينما يعاني المواطن انقطاع الكهرباء وطوابير الوقود وغلاء الأسعار”.
وينضم المحلل السياسي محمد قشوط إلى هذا النقد، منتقداً ظهور عبدالحميد الدبيبة في رالي عرعار بمدينة مصراتة “برتل من السيارات الفخم”، معتبراً أن “هذا الظهور لا يتناسب مع الظروف المعيشية التي يمر بها المواطنون”.
أما المحلل السياسي جمال الحاجي فيذهب إلى ما هو أبعد، متحدثاً عن “المليارات التي تدفع لوكر خارجية كفيلة باستئجار سفن لتعويض النقص في الكهرباء، بدل معاناة الشعب وصل الأمر بتوقف مراكز غسيل الكلى”.
“الكهرباء حق أصيل من حقوق الإنسان”
عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد ونيس يؤكد أن “خدمة الكهرباء أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تصنيفها عالمياً باعتبارها حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان”، مشيراً إلى أن استقرارها يرتبط بضمان الصحة والسكن الملائم والتعليم والحياة المستقرة.
وفي السياق ذاته، تعبر المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون عن “بالغ القلق والأسف مما يشهده المواطن الليبي من انقطاع مستمر وممنهج للتيار الكهربائي”، مؤكدة أن “الحق في الحصول على الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء، ليس مجرد مطلب خدمي، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان”، وداعية النائب العام إلى “التدخل الفوري وفتح تحقيق شامل وشفاف”.
ما الذي يجري خلف الكواليس؟
تتزامن أزمة الكهرباء مع نقص الوقود وطوابير طويلة أمام محطات البنزين، فيما يتحدث الرائد خالد مصباح أبو سويق، مدير مكتب العلاقات والإعلام بالشرطة الكهربائية، عن جهود لتأمين المحطات ومتابعة محال الخردة التي قد تُستخدم في تداول المواد المسروقة، في إشارة إلى شبكات سرقة الكابلات والتوصيلات غير المشروعة.
لكن الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي يثيرون تساؤلات أعمق، حيث يشير أحدهم إلى “مزارع تعدين البيتكوين في الدافنية والسكت ومنطقة الحامية” كسبب محتمل للاستهلاك الهائل للطاقة، مطالباً الأجهزة الأمنية والرقابية والنائب العام بملاحقة هذه المزارع “للحد من هذه المهزلة والظلم الذي يتعرض له المواطن”.
“الرطوبة عدو الكهرباء في ليبيا”.. سخرية تختصر الواقع
تعليق ساخر على منصات التواصل الاجتماعي يلخص المفارقة: “في ليبيا، يبدو أن الرطوبة عدو للكهرباء لا يعرفه باقي العالم! عندنا الرطوبة تعطل شبكات التغذية، بينما في دول أخرى تجد الأمطار والعواصف والرطوبة ودرجات حرارة تقترب من خمسين درجة مئوية، ومع ذلك تعمل المصانع والمطاعم والمقاهي والفنادق وحتى القطارات والترام بالكهرباء، والشبكات صامدة ولا تكاد ترمش! بصراحة، المشكلة ليست في الطقس ولا في المعدات… المشكلة ربما في المديرين والإدارة!”
أما عضو لجنة الحوار المهيكل عبد الرحيم الشيباني فيقترح إصدار قرار مؤقت بإغلاق جميع الأنشطة التجارية بعد الساعة العاشرة مساءً وحتى الثامنة صباحاً خلال فترة أزمة الكهرباء، معتبراً أن “من غير المنطقي أن تستمر الأنشطة التجارية غير الضرورية في استهلاك الكهرباء حتى ساعات متأخرة، بينما تعاني الشبكة من ضغط كبير وانقطاعات متكررة”.
وتشير المتخصصة في الأمن الطاقي روضة المعلاوي إلى أن “امتلاك النفط والغاز لا يعني تلقائياً امتلاك أمن طاقي”، موضحة أن “الدولة تحتاج أيضاً إلى محطات توليد تعمل بكفاءة، وشبكات نقل وتوزيع قادرة على تحمل الطلب، وإمدادات منتظمة من الغاز والوقود، وصيانة مستمرة، والأهم حماية المنشآت التي تقوم عليها هذه المنظومة”.
خلاصة المشهد.. دولة غائبة وشعب مكلوم
عضو مجلس النواب ميلود الأسود يلخص الأسباب الجذرية بقوله إن استمرار أزمة انقطاع الكهرباء يعود إلى “غياب رؤية وطنية للتحول إلى الطاقات المتجددة، وعدم وجود خطط استراتيجية لاستيعاب ازدياد الطلب، وعدم وجود دراسات علمية، وتراجع الكفاءة في تولي المناصب بالشركة العامة للكهرباء، والفساد المتزايد، وشبهات تهريب الديزل”.
أما الناشط السياسي طه حديد فيؤكد أن “المطلوب الآن هو إعادة بناء الثقة مع المواطنين من خلال شفافية البيانات وتوضيح الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأزمة بعيداً عن الوعود الوهمية والخطابات الرنانة”.
ويبقى المشهد الأكثر تعبيراً عن الحالة الليبية، ذلك التعليق الذي يختصر المأساة: “شهادة بالله أنه طفح الكيل من هذه الأزمات المتكررة”.
فبينما يتحدث المسؤولون عن أرقام الإنتاج القياسية، يغرق المواطن الليبي في ظلام دامس، ويبحث عن قارورة غاز في سوق سوداء، ويقف في طوابير لا تنتهي للحصول على وقود مولد لا يملك ثمنه أصلاً، في بلد يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وينتج أكثر من مليون وأربعمئة ألف برميل يومياً.
إنها مفارقة لا تحتاج إلى تحليل سياسي معقد، بل تحتاج فقط إلى ضمير حي، وقيادة تخاف الله، كما قال المحلل السياسي جمال الحاجي: “الأمر يحتاج إلى ضمير ورجولة وشجاعة لوقف نزيف الأموال… لا لرجال يبيعون لمن يشتري ومصالحهم فوق كل اعتبار”.
وفي انتظار ذلك الضمير الحي، يبقى المواطن الليبي في عتمته، ينتظر فجراً لا يلوح في الأفق، بينما تتصاعد أصوات الاحتجاج من تاجوراء إلى سوق الجمعة إلى غات والعوينات، محملة برسالة واحدة لا لبس فيها: لقد طفح الكيل.



