ليبيا

الدبيبة يُوغِل في العزلة السياسية ويهرّب ثروات الشعب وسط صمت دولي مريب

أزمات الكهرباء والوقود تشعل الشارع الليبي وحكومة جنيف تُفضّل الرتَل الفاخر على إنقاذ المواطن

ليبيا 24

ليبيا على صفيح ساخن: أزمات متشابكة وحكومة الدبيبة منتهية الولاية تُعمّق الجراح

في مشهد سياسي وأمني معقّد، تواصل ليبيا غرقاً في مستنقع الأزمات المتلاحقة، بينما يُصرّ رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبدالحميد الدبيبة، على التمسّك بكرسي السلطة، متجاهلاً معاناة شعب يئنّ تحت وطأة انقطاع الكهرباء وشحّ الوقود وانهيار الخدمات الأساسية.

فبين انكشاف العلاقة المتوترة مع رئيس مجلس الدولة الاستشاري، محمد تكالة، واستمرار الفوضى الأمنية في مدن غرب البلاد، خصوصاً الزاوية التي شهدت اشتباكات دامية واستهدافاً للمنشآت النفطية، يبدو المشهد الليبي وكأنه يعيد إنتاج نفسه في حلقة مفرغة من الصراع على السلطة والمال، على حساب المواطن الذي بات يدفع الثمن غالياً.

جفاء سياسي ومبادرة أميركية تهزّ عرش الدبيبة

أكد رئيس اللجنة السياسية بمجلس الدولة الاستشاري، محمد معزب، وجود “درجة من الجفاء” في علاقة رئيس المجلس، محمد تكالة، برئيس الحكومة، عبدالحميد الدبيبة، مردّاً ذلك إلى عوامل عدّة، في مقدمتها “المبادرة الأميركية” التي تُحرّك المياه الراكدة في المشهد السياسي، بالإضافة إلى توافق تكالة مع كل من عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، قبل شهرين على خريطة طريق جديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية، والتمهيد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل نهاية فبراير المقبل.

هذا التوافق الثلاثي، الذي يستهدف تقليص نفوذ الدبيبة وإزاحته عن المشهد، وضع الأخير في موقف دفاعي، إذ يسعى جاهداً إلى إفشال أي ترتيبات تتم من دونه.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي، أنس القماطي، أن زيارة الدبيبة الأخيرة لتكالة لم تكن بحثاً عن سند سياسي، بقدر ما كانت “رسالة مفادها أنه لا يزال قادراً على تعطيل أي ترتيب يتم من دونه”.

فالدبيبة، الذي يدرك أن أي تسوية سياسية مرتقبة ستتطلب تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، يعمل بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على مكاسبه ومنع أي تقاسم للمقاعد قد يطيح به.

في المقابل، يذهب المحلل السياسي، محمد محفوظ، إلى أن العلاقة بين الرجلين ليست متوترة كما يُشاع، مشيراً إلى أن الدبيبة “لم يعلن بعد رأياً واضحاً مؤيداً للمبادرة الأميركية حتى يكون هناك خلاف حقيقي بينهما بسببها”.

لكن هذا الطرح يبدو وكأنه محاولة لتبييض وجه الحكومة، في وقت تتكشف فيه يومياً حقائق جديدة عن عمق الخلافات والصراعات داخل المؤسسات، وهو ما يعكس حالة الانقسام الحادة التي تعصف بالطبقة السياسية.

حكومة الفشل الذريع: من أزمة الكهرباء إلى تهريب الوقود

بينما ينشغل السياسيون بخلافاتهم، يعاني المواطن الليبي من أزمات معيشية خانقة، تكشفت أبعادها بوضوح في ملفي الكهرباء والوقود.

فمع ارتفاع درجات الحرارة، تحوّلت حياة الليبيين إلى جحيم حقيقي بسبب طرح الأحمال المستمر وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ما أدى إلى توقف مراكز حيوية، منها مراكز غسيل الكلى، وهو ما وصفه المحلل السياسي، جمال الحاجي، بـ”معاناة الشعب.

وفي انتقاد لاذع، تساءل الحاجي عن سبب عدم استخدام “المليارات التي تدفع بوكر خارجية دبيبة” لاستئجار سفن لتعويض النقص في الكهرباء، بدلاً من “سياحة العائلات الخواص”، متّهماً الحكومة بـ”نزيف الأموال” على “الوكر الفاسد للترفيه والرشوة.

هذا الاتهام بالفساد والتبذير لم يقتصر على المحللين، بل تعداه إلى نواب ومسؤولين سابقين، إذ اتهم عضو مجلس النواب، علي السباعي، المروجين لحكومة الدبيبة والمدافعين عنها بأنهم “شركاء في الفساد”، استفادوا من “العطايا” التي قدمتها الحكومة، في حين لم يحصل المواطن البسيط إلا على “النكال وانعدام الخدمات والإظلام التام.

أما ملف الوقود، فيكشف عن أبعاد أكثر خطورة تتعلق بتهريب ثروات البلاد. فقد أثار رفض الدبيبة مقترحاً قدمه وزير البيئة لتركيب أجهزة تتبع على شاحنات الوقود، للسيطرة على تهريبه، استغراباً واسعاً.

واعتبر عميد بلدية تاجوراء السابق، حسين بن عطية، أن هذا الرفض “يطرح استفهام وشكوك”، مشيراً إلى أن دولاً مثل كينيا والمكسيك والأردن نجحت في القضاء على التهريب باستخدام هذه التقنية.

وسؤال “علاش رفض رئيس الحكومة السيطرة لمنع تهريب الوقود؟” الذي طرحه بن عطية، يبقى معلقاً في الهواء، ليكشف عن رغبة حكومة جنيف في استمرار هذا النزيف المالي الذي يثري جهات غير معلومة على حساب جيب المواطن.

مظاهر الترف في زمن الجوع: رتَل فخم ونار الخزانات مشتعلة

في مشهد يعكس مدى الانفصال بين حكام ومواطنيهم، انتقد المحلل السياسي، محمد قشوط، “مظاهر الترف” التي يظهر بها بعض المسؤولين، في وقت يواجه فيه الليبيون أزمات معيشية متفاقمة.

واتهم قشوط حكومة الدبيبة بأنها فرضت نفسها “بالأمر الواقع”، مشيراً إلى إخفاقاتها في ملفات الوقود والكهرباء والخدمات.

لكن اللافت هو انتقاده ظهور رئيس الحكومة في “رالي عرعار” بمدينة مصراتة، واصفاً وصوله بـ”الرتَل الفخم” من السيارات، معتبراً أن هذا الظهور “لا يتناسب مع الظروف المعيشية التي يمر بها المواطنون”، وأن المقاطع المصورة من الرالي “تعكس حالة من الترف والاستمتاع في وقت تتواصل فيه أزمات الكهرباء والوقود”.

وفي توقيت يتزامن مع كارثة حريق خزانات الوقود بمدينة الزاوية، والتي أودت بحياة العشرات وأحدثت أضراراً جسيمة بمحطة كهرباء المدينة، يبدو ظهور الدبيبة في احتفالاته وكأنه استهانة بمشاعر الليبيين الذين يقفون في طوابير الانتظار للحصول على لقمة العيش أو لتر من الوقود.

الزاوية: جبهة جديدة في حرب النفوذ وسيادة الدولة المهدورة

تمثل مدينة الزاوية، التي تُعد بوابة طرابلس الغربية، بؤرة أمنية ساخنة تعكس مدى تدهور الأوضاع في المنطقة الغربية.

فالمدينة، التي تعيش منذ سنوات حالة معقدة من التوترات والانقسامات المسلحة شهدت مؤخراً اشتباكات عنيفة خلّفت نحو عشرين قتيلاً، واستهدافاً للبنية التحتية النفطية بالطائرات المسيّرة، وهو ما وصفه الباحث السياسي، إبراهيم بلقاسم، بـ”التطور اللافت” الذي يندرج في سياق أوسع يتقاطع مع تدخلات خارجية.

ويرى بلقاسم أن التعامل مع الملف النفطي يبدو، في بعض الأحيان، أكثر حساسية لدى السلطات من التعامل مع الخسائر البشرية، مستشهداً بسرعة تحرك الحكومة عقب استهداف خزان النفط مقارنة بتعاملها مع سقوط ضحايا الصراعات.

هذا الطرح يكشف عن أولويات مشوهة لدى حكومة الدبيبة، التي تبدو أكثر حرصاً على الموارد النفطية منها على أرواح الليبيين، وهو ما يعكس النظرة الاستهلاكية للسلطة التي تتعامل مع البلاد كمزرعة خاصة.

وفي تحليل معمّق، يرى الناشط السياسي، مصعب التومي، أن الحكومة لم تنجح في تنفيذ أبرز التزاماتها، وفي مقدمتها إخراج المرتزقة وتحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد البلاد.

وانتقد التومي ازدواجية الخطاب لدى بعض الأطراف التي تتحدث عن بناء الدولة المدنية، بينما تعجز عن بسط الأمن حتى في العاصمة طرابلس، حيث لا تزال جرائم القتل والسرقات تحدث علناً.

وأكد أن استمرار وجود العناصر الأجنبية المسلحة، واستخدامهم السلاح علناً في الشوارع، “يطرح مسألة سيادة الدولة بصورة مباشرة”، متسائلاً عن كيفية بقاء هؤلاء في البلاد إذا كانت الدولة تتمتع بالقدرة الكاملة على بسط سلطتها.

أزمة الثقة وغياب الرؤية: نحو تصعيد أم تسوية؟

في خضم هذا الفوضى، يبدو أن الأطراف السياسية والأمنية تغرق في صراعاتها الضيقة، متناسية أن المواطن الليبي ينتظر دولة، وليس استمرار الانقسام أو تكرار الصراع المسلح.

فحملات الاتهام المتبادلة، بين من يصف الحكومة بالفاسدة والعاجزة، ومن يدافع عنها بحجة “أخف الأضرار”، لا تقدم حلولاً، بل تزيد من تعقيد المشهد.

ودعا عضو مجلس الدولة الاستشاري، منصور الحصادي، إلى محاكمة حكومة الدبيبة لعجزها عن معرفة مصدر الطيران المسيّر في الزاوية والتصدي له.

في المقابل، يرى البعض، مثل الباحث إبراهيم بلقاسم، أن التطورات الحالية تمثل “فرصة نادرة” لإعادة بناء منظومة أمنية، شريطة أن تكون المعالجة تدريجية وقائمة على تقوية مؤسسات الدولة، لا على منطق المواجهة الشاملة أو دعم طرف على حساب آخر.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تملك هذه المؤسسات، في ظل غياب سلطة مركزية قوية وإرادة سياسية صادقة، القدرة على تنفيذ أي خطة؟ أم أن الأزمة الليبية ستبقى رهينة المصالح الخاصة، وستظل حكومة الدبيبة، التي فقدت شرعيتها وشعبيتها، عائقاً أمام أي حل، كما يرى خليفة الساروي، وزير التربية والتعليم الأسبق، الذي حذّر من أن “الصمت والرضا بالواقع خوفاً من التغيير ربما يقطع أمامكم فرص النجاة.

في النهاية، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، فهو الذي يدفع فاتورة الكهرباء المقطوعة، والوقود المهرب، والفوضى الأمنية، ومشاهد الترف التي يتعامل بها حكامه مع أزماته.

وإن لم تتغير هذه المعادلة قريباً، فإن الانفجار الاجتماعي قد يكون أقرب مما يتصور الجميع، خاصة في ظل تآكل شعبيّة حكومة الدبيبة، وكثرة خصومها، وعجزها الواضح عن قيادة البلاد إلى بر الأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى