حين تنتج ليبيا الذهب ويحترق أهلها بالصمت: عودة الكهرباء إلى واجهة الإخفاق
بين "سياحة المهرجانات" وطوابير البنزين: أزمة الكهرباء تكشف "فجوة الخدمات" وتضع الحكومة أمام اختبار الغضب الشعبي
ليبيا 24
ليبيا.. برميل نفط قياسي وظلام دامس: “المليارات تتبخر” والمواطن يدفع فاتورة الفشل الإداري
في مشهد يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ليبيا تعيش مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا بمنطق “إدارة الفوضى”، تتصدر أزمة الكهرباء المشهد من جديد في صيف 2026، متزامنة مع إعلانات رسمية عن تحقيق أرقام قياسية في إنتاج النفط الخام تجاوزت 1.4 مليون برميل يومياً.
وبينما تتدفق الثروة النفطية بهذا الحجم، تتحول مدن بأكملها إلى “قرى معزولة” تفتقد أبسط مقومات الحياة، مع انقطاعات تصل إلى خمس ساعات يومياً في طرابلس بنغازي .
المفارقة التي يلتقطها المواطن في مصراتة وطرابلس وبنغازي، سخرية قاتلة مكتوبة بنبرة “الفشل المتقن”.
فبينما تجاوز إنتاج الغاز 73.3 مليار قدم مكعبة في شهر واحد، تعاني مستشفيات كاملة من تهديدات مباشرة لسلامة الأدوية واللقاحات، وتحذر الأجهزة الرقابية من تعرض نحو 2000 جرعة لقاح للتلف نتيجة انقطاع الكهرباء عن مخازنها ثلاثة أيام متواصلة، في ظل غياب بدائل طاقة حقيقية.
الشارع الليبي: من يدفع الثمن؟
“الوضع كارثي. المواطن يواجه الكهرباء والوقود والسيولة في وقت تنتج فيه البلاد أكثر من مليون وأربعمئة ألف برميل من النفط يومياً”، بهذه الكلمات الصادمة يصف أحد أعيان مصراتة وسكانها الوضع.
وهو الانطباع الذي يتردد في تعليقات النشطاء عبر منصات التواصل: “كاننا في حاله حرب، مفيش كهربا لليوم التالت عالتوالي، لا عارفين ننام ولا نشتغل”.
النشطاء لا يكتفون بالشكوى، بل يطالبون بـ”تحقيق شامل” يضع حداً لهذه المهزلة. إذ تتزايد التساؤلات حول “مزارع تعدين العملات الرقمية” التي ظهرت تقارير عن استنزافها للكهرباء، حيث تشير مصادر إلى أن هذه المزارع تمثل عبئاً إضافياً على شبكة كهرباء هشة أصلاً .
القربوللي، تاجوراء، سوق الجمعة، عين زارة؛ كلها أسماء تتصدر صفحات التواصل الاجتماعي مع شكاوى من “الظلم” في توزيع ساعات طرح الأحمال، حيث تخرج احتجاجات غاضبة أحياناً وتُغلق طرقات في رسالة يأس واضحة .
البنية التحتية: كهرباء “على وشك الانهيار”
الشركة العامة للكهرباء تحذر بدورها من “العبث” بمحطات التحويل. فبعد حوادث اقتحام وحرائق طالت محولات في “طريق 16” و”سوق الجمعة”، تخرج الشركة ببيانات عاجلة تؤكد أن أي تدخل فردي “قد يؤدي إلى الإظلام الشامل”.
هذه التحذيرات، التي يعتبرها كثيرون “تبريرات” لعدم قدرة الحكومة على تقديم حلول جذرية، تفتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف تنفق حكومة الوحدة 24 مليار دينار تقريباً على قطاع الكهرباء حتى نهاية 2024، وفق تقارير ديوان المحاسبة، وتظل الشبكة بهذه الهشاشة؟
الخبير الليبي في الأمن الطاقي روضة المعلاوي يوضح أن “امتلاك النفط والغاز لا يعني تلقائياً امتلاك أمن طاقي”، مشيرة إلى أن هشاشة البنية التحتية الناتجة عن سني الصراع جعلت الأجزاء القديمة من الشبكة عاجزة عن استيعاب أي قدرات جديدة.
وهو ما يتفق معه محللون يرون أن “المشكلة لم تعد مجرد نقص في التوليد، بل أزمة مركبة تتداخل فيها الأعطال وسرقة الكابلات وضعف الإدارة” .
الوقود: حين يتحول الديزل إلى “سلعة” للمتاجرة
في سياق متصل، تتهم الحكومة منتهية الولاية بترشيد استهلاك الوقود المدعوم، الأمر الذي يعتبره الشارع الليبي “سخرية إضافية”، فالمشكلة لم تكن أبداً في الاستهلاك المفرط بل في غياب حلول جذرية للكهرباء التي أجبرت المواطن على الاعتماد على المولدات المنزلية.
المحلل السياسي هشام الحاراتي يؤكد أن “لجوء المواطنين إلى المولدات لم يكن ترفاً، بل نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء”، مضيفاً أن “تعليقات المواطنين على البيان الحكومي أرجعت نقص الديزل إلى ما يتردد حول تهريبه”.
في بنغازي، نائب سابق بمجلس الدولة يصف المشهد بأنه “غرق في الظلام”، بينما يرى بعض السكان أن “أوضاع الشبكة تحسنت مقارنة بالسنوات الماضية”، لكن الانقطاعات اليومية الحالية تُعزى إلى “زيادة الطلب والتوسع العمراني”.
لكن المفارقة تبقى في التسعير: لتر البنزين يباع رسمياً بنحو 0.15 دينار مقابل دينار في السوق السوداء، والمولدات الكبيرة تتجاوز أسعارها 10 آلاف دينار، أي ما يمثل “حلماً” بعيد المنال لمعظم سكان الجنوب تحديداً.
مزاعم الترف مقابل أزمة الخدمات: انتقادات للدبيبة
في خضم المشهد البائس، تتصاعد الانتقادات السياسية التي تطال أداء حكومة عبد الحميد الدبيبة.
المحلل السياسي محمد قشوط ينتقد “مظاهر الترف” التي يظهر بها بعض المسؤولين في ظل انقطاعات الكهرباء، متسائلاً: “فممن تخشون لغلق ذلك الوكر الفاسد للترفيه والرشوة”.
هذه الانتقادات تعبر عن حالة غضب شعبي وجدت طريقها إلى منصات التواصل، وسط تلميحات بأن “الملف الأمني” بات سلاحاً يستخدم ضد من يطالبون بالخدمات.
أما المحامي عصام التاجوري فيطالب بفتح تحقيق هندسي وإداري علني حول تكرار الانهيارات، مشيراً إلى أن ميزانيات “طوارئ تراكمية” بلغت 90 مليار دينار لم تمنع تكرار انهيار الشبكة.
وفي هذا السياق، يبدو المشهد الليبي أشبه بـ”لغز جيوسياسي” معقد: ففي الوقت الذي تحث فيه المبعوثة الأممية على حل الانقسام السياسي، يعيش المواطن الليبي انتكاسات يومية تجعله يطرح سؤالاً محورياً: لماذا كل هذه الثروة وهذه البؤس؟
الاقتصاد: من المهرجانات إلى الضرورة
يشير الناشط السياسي أحمد العشيبي إلى أن لجوء الحكومة إلى تنظيم المهرجانات “في ظل أزمات الكهرباء والوقود يعكس عجزها”، مضيفاً أن “الأنشطة التجارية غير الضرورية تستمر في استهلاك الكهرباء حتى ساعات متأخرة، بينما تعاني الشبكة من ضغط كبير”.
بعض المختصين يقترحون حلولاً عملية مثل “إغلاق الأنشطة التجارية بعد الساعة العاشرة مساءً”، في محاولة لترشيد الاستهلاك، لكن ذلك يظل حلولاً وسطية لا تعالج جذور المشكلة.
في السياق الاقتصادي، يرى الكاتب عبد الفتاح الشريف أن الأزمة لا تختزل في تغيير الإدارات، مؤكداً أن الحل يكمن في “مزيج الطاقة”.
يقترح الشريف الاستفادة من “الطاقة الشمسية” كمشروع سريع التنفيذ، ولفت إلى أن “ميزة سطوع الشمس واتساع المساحات” في ليبيا هي فرصة عمل حقيقية لإنهاء العتمة.
ومع ذلك، يبدو أن هذه الحلول تتعثر أمام “مشكلة أكبر”، وهي غياب الرؤية والحوكمة وعدم القدرة على مساءلة المتورطين في الفساد.
المستقبل: انتقال من “الطوارئ” إلى “الإدارة الوطنية”
وفي تحليل نهائي، يبقى المؤشر الأقوى على السخرية المرة: ليبيا، الدولة التي تملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، تعيش “العتمة” بينما تتحول في المقابل إلى “ساحة تجارب” للأفكار، من مزارع البيتكوين إلى طوابير الوقود.
المحلل السياسي حسام الفنيش يخلص إلى أن الأزمة أصبحت “مركبة” ولم تعد محصورة في الإنتاج، بل ترتبط بكفاءة الإدارة والإنفاق وتوزيع الموارد.
إن المشهد الليبي يثبت أن “الثروة” لا تكفي وحدها، فالحل الحقيقي يبدأ من شفافية الإدارة وبناء الثقة مع المواطن، واستراتيجية وطنية توقف الهدر وتحاسب الفاسدين.
غير أن هذه الإجراءات، التي يقرأها المواطن في منشورات النشطاء ومطالبهم، تظل “حبراً على ورق” في ظل استمرار “أزمة الثقة” بين الحاكم والمحكوم، وهي الأزمة الأعمق من أزمة الكهرباء ذاتها.



