اقتصادليبيا

أزمة الإسكان في ليبيا.. ارتفاع التكاليف يعرقل توفير المساكن

ضعف التمويل وغموض الملكيات يحدان من فرص توسيع برامج الإسكان

ليبيا 24

تواجه برامج الإسكان في ليبيا تحديات متشابكة تتجاوز نقص الوحدات السكنية إلى ارتفاع تكاليف البناء وضعف أدوات التمويل وصعوبة توفير مساكن تتناسب مع القدرة الشرائية للأسر، في وقت تشير فيه التقديرات الحكومية إلى عجز سكني يبلغ نحو 800 ألف وحدة.

وتضع هذه المعطيات قطاع الإسكان أمام معادلة معقدة، إذ لا يرتبط نجاح المشروعات بعدد الوحدات المستهدف بناؤها فقط، بل بقدرة الجهات المعنية على توفير التمويل طويل الأجل وضبط تكاليف التنفيذ وتأمين الأراضي المجهزة بالمرافق، بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

التمويل طويل الأجل.. تحديات أمام المصارف

يرى المصرفي عبد الله التركي أن التمويل العقاري طويل الأجل يمثل أداة رئيسية لتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج الإسكان، لكنه يصطدم بمخاطر الائتمان وضعف الضمانات وصعوبة تقييم بعض الملكيات العقارية، إلى جانب محدودية مصادر التمويل التي تتناسب مع آجال القروض السكنية.

وتبرز هنا فجوة بين طبيعة التمويل المطلوب لقطاع الإسكان ومصادر الأموال المتاحة للمصارف، التي لا تستطيع تحمل تمويل مشروعات ضخمة بمفردها في ظل امتداد القروض العقارية لسنوات طويلة. وهو ما يجعل تطوير سوق متكاملة للتمويل العقاري مرتبطاً بتوسيع مشاركة المؤسسات الحكومية وصناديق الاستثمار وشركات التمويل المتخصصة، وتنويع أدوات التمويل بما يحد من المخاطر ويوفر تدفقات مالية أكثر استقراراً.

ارتفاع التكاليف يضغط على القدرة الشرائية

ولا تقتصر الأزمة على محدودية التمويل، إذ يشير المحلل الاقتصادي عبد الفتاح أبو قصة إلى أن أسعار الأراضي ومواد البناء ومستويات الدخول وتكاليف التمويل، إلى جانب التوزيع الجغرافي للسكان وتوافر الخدمات، تمثل عوامل أساسية في تحديد قدرة الأسر على الحصول على مسكن.

ويحذر أبو قصة من أن زيادة الإنفاق الحكومي دون توفير أراضٍ مجهزة ومواد بناء وخدمات كافية قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع، بما يقلل من أثر الدعم الموجه إلى القطاع. وفي المقابل، يمكن أن يتحول الاستثمار في الإسكان إلى محرك للنشاط الاقتصادي إذا ارتبط بتوسيع الإنتاج المحلي من الأسمنت والحديد ومواد البناء، وتنشيط شركات المقاولات والمكاتب الهندسية وخدمات النقل والتمويل.

الأراضي والمرافق.. أساس خفض التكلفة

من جانبه، يؤكد المطور العقاري فاضل التاجوري أن توفير أراضٍ مملوكة للدولة ومجهزة بالمرافق يمكن أن يخفض التكلفة النهائية للوحدات السكنية ويعزز جاذبية مشاركة القطاع الخاص. كما يمثل وضوح الملكية واستقرار المخططات العمرانية شرطاً مهماً لتقليل المخاطر التي تواجه المستثمرين والمطورين.

فالمسكن لا يتوقف على تكلفة البناء وحدها، بل يشمل أيضاً إنشاء الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات. وإذا لم تُجهز الأراضي بهذه الخدمات مسبقاً، فقد ترتفع التكلفة الإجمالية للمشروع، لتنعكس في النهاية على السعر الذي تتحمله الأسرة.

وفي ظل هذه المعطيات، يتسع الفارق بين أسعار العقارات والقدرة الشرائية للمواطنين، ما يدفع بعض الأسر إلى مواصلة الاستئجار أو تأجيل قرار الشراء. ويعني ذلك أن جانباً من الطلب السكني يظل معلقاً، ليس بسبب غياب الحاجة إلى المسكن، بل نتيجة عدم القدرة على تحمل تكلفته.

مواد البناء تزيد أعباء التنفيذ

وتضيف أسعار مواد البناء ضغوطاً جديدة على المشروعات السكنية الحكومية والخاصة، إذ وصل سعر قنطار الأسمنت إلى نحو 85 ديناراً، بما يعادل قرابة 13.2 دولاراً وفق متوسط سعر الصرف الرسمي البالغ 6.4287 دنانير للدولار في نشرة مصرف ليبيا المركزي بتاريخ 8 أكتوبر الجاري.

وبذلك، لا يتوقف مستقبل برامج الإسكان في ليبيا على حجم الإنفاق أو عدد الوحدات المعلن عنها، بل على بناء منظومة متكاملة تربط التمويل بالقدرة الشرائية، وتضمن توافر الأراضي والخدمات ومواد البناء، وتمنح القطاع الخاص بيئة أكثر استقراراً للاستثمار. فدون هذه المعالجة، قد يتوسع البناء بينما تظل شريحة واسعة من الأسر عاجزة عن الوصول إلى المسكن الذي تحتاج إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى