ليبيا

بنغازي محطة عسكرية دولية.. دلالات زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى ليبيا

في زيارة تاريخية… رئيس الأركان الباكستاني يبحث التعاون العسكري مع ليبيا

في ظل تحولات متسارعة في المشهدين الإقليمي والدولي، جاءت زيارة القائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير،إلى بنغازي على رأس وفد عسكري رفيع المستوى، استمرت ليومين، وبحثت آفاق التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بين البلدين، وتُوّجت بتوقيع عدد من التفاهمات والاتفاقيات المشتركة.

وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، لتفتح صفحة جديدة في مسار العلاقات الليبية – الباكستانية، وتطرح تساؤلات حول دلالاتها الاستراتيجية، وحدود تأثيرها على الداخل الليبي وعلى توازنات المنطقة، خاصة مع تصاعد الاهتمام الدولي بمدينة بنغازي كمركز فاعل في معادلات الأمن والتعاون العسكري.

باكستان قوة عسكرية وازنة

يرى المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي أن باكستان تُصنّف ضمن أقوى الجيوش في العالم، إذ تحتل المرتبة الثانية عشرة عالميًا من حيث القوة العسكرية، كما تُعد واحدة من تسع دول فقط تمتلك السلاح النووي، والدولة الإسلامية الوحيدة التي تحوز هذه القدرات الاستراتيجية.

وأوضح العبدلي في تصريحات رصدها ليبيا24 أن الجيش الباكستاني يمتلك منظومة عسكرية متكاملة تشمل قوات برية وبحرية وجوية عالية الكفاءة، ما يمنحه مكانة متقدمة في موازين الردع الإقليمي والدولي، ويجعل منه شريكًا عسكريًا ذا وزن استراتيجي.

وأشار إلى أن المواجهة العسكرية الأخيرة بين باكستان والهند أسهمت في إعادة تسليط الضوء على القدرات الباكستانية، بعد إسقاط خمس طائرات هندية، من بينها ثلاث طائرات من طراز «رافال» الفرنسية الصنع، في أول مواجهة جوية قتالية مباشرة بين البلدين، وهو ما أثار اهتمامًا واسعًا لدى المتابعين للتكنولوجيا العسكرية، وطرح تساؤلات حول كفاءة بعض المنظومات الجوية الغربية المتطورة.

من إسلام آباد إلى بنغازي

وبحسب العبدلي، فإن تلك التطورات سبقت زيارة نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق صدام حفتر، إلى باكستان، حيث التقى قيادات عسكرية باكستانية ورئيس الوزراء، وأسفرت الزيارة عن توقيع اتفاقيات تعاون مشترك، لا سيما في المجال العسكري.

ولفت إلى أن مشاركة رئيس أركان القوات الجوية الليبية في تلك الزيارة عكست اهتمامًا خاصًا بتعزيز التعاون في المجال الجوي، وهو ما تُرجم لاحقًا بزيارة قائد الجيش الباكستاني إلى ليبيا، والاتفاق على توسيع الشراكة في مجالات التدريب، وتبادل الخبرات، ودعم منظومة القيادة الجوية، مع بحث إمكانية اقتناء معدات وطائرات باكستانية، وتنويع منظومات التسليح الجوي، بما في ذلك بعض الصواريخ، إلى جانب التعاون في المجال البري.

وأكد العبدلي أن هذا التعاون يمنح باكستان نفوذًا عسكريًا خارج حدودها، ويعزز حضورها الدولي عبر شراكات في مناطق جديدة، مشيرًا إلى أن العلاقات العسكرية الباكستانية مع دول مطلة على البحر الأبيض المتوسط تظل محدودة، ما يضفي على الشراكة مع ليبيا طابعًا استثنائيًا.

دلالات سياسية وإقليمية

من جانبه، اعتبر المحلل السياسي الليبي عبد الله الديباني أن زيارة المشير عاصم منير إلى مقر القيادة العامة في بنغازي تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتحمل دلالات سياسية وعسكرية عميقة، تعكس تحولات نوعية في توجهات المؤسسة العسكرية الليبية وموقعها على الخارطة الإقليمية والدولية.

وأوضح الديباني في تصريحات رصدها ليبيا24 أن باكستان تمتلك خبرات واسعة في مجالات التدريب العسكري، ومكافحة الإرهاب، والعمل الاستخباراتي، وحماية الحدود، ما يجعلها شريكًا مهمًا لليبيا في ظل التحديات الأمنية التي واجهتها خلال السنوات الماضية.

وأضاف أن الزيارة تعكس اعترافًا بدور القيادة العامة للجيش الوطني الليبي كفاعل رئيسي وقوة منظمة قادرة على إقامة علاقات عسكرية رسمية مع جيوش دول ذات ثقل دولي، كما تبعث برسالة واضحة بأن بنغازي باتت نقطة ارتكاز دبلوماسية وعسكرية فاعلة في التفاعلات الإقليمية.

تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلالية

وعلى الصعيد الإقليمي، تندرج الزيارة ضمن سياق سعي دول مثل باكستان إلى تعزيز حضورها في شمال أفريقيا، مقابل توجه ليبي لبناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات، تقلل من الارتهان لمحاور بعينها.

وأكد الديباني أن اعتماد القيادة العامة سياسة تنويع الشراكات الدولية، من خلال التعاون مع قوى مختلفة مثل روسيا والولايات المتحدة وتركيا، وصولًا إلى الشراكة المتنامية مع باكستان، يمنح ليبيا هامشًا أوسع للمناورة، ويعزز استقلالية قرارها العسكري.

محطة جديدة في مسار العلاقات

وتفتح هذه الزيارة، بما حملته من تفاهمات ورسائل، آفاقًا جديدة للتعاون الليبي–الباكستاني، في وقت تتسارع فيه التحولات الدولية، وتُعاد فيه صياغة التحالفات. وبينما تبرز بنغازي كمحطة عسكرية ودبلوماسية ذات ثقل متنامٍ، تظل مخرجات هذه الشراكة مرهونة بقدرتها على التحول من اتفاقيات وتفاهمات إلى برامج عملية تسهم في تعزيز الاستقرار وبناء مؤسسة عسكرية ليبية محترفة وقادرة على حماية السيادة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى