اقتصاد

أوروبا تحتكر الخام الليبي رغم كبوة حقل الشرارة المفاجئة

كرواتيا تقتحم كبار مستوردي النفاطة الليبية في زمن الحرب

ليبيا 24:

المركز الثالث لزغرب وتراجع روما المحدود يعيدان رسم خريطة الطاقة جنوب المتوسط

مثّل شهر مارس من عام 2026 منعطفاً استثنائياً في ديناميكيات تدفقات الطاقة العالمية، ليس فقط بسبب التداعيات العنيفة للحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، بل بسبب ما كشفته البيانات من مرونة ليبية في الحفاظ على حصصها السوقية الأوروبية رغم تعرض أحد أبرز شرايينها النفطية لانتكاسة شبه قاتلة.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تترقب طفرة تصديرية من الشمال الأفريقي لتعويض الفاقد الخليجي، جاءت ألسنة اللهب التي التهمت جزءاً من البنية التحتية لحقل الشرارة لتفرض واقعاً جديداً عنوانه الأبرز: أوروبا لا تزال تتنفس عبر الرئة الليبية، ولكن بصعوبة بالغة.

الخريطة الأوروبية: روما في الصدارة وارتقاء غير مسبوق لزغرب

وفقاً للمسوح الميدانية التي جمعتها وحدة أبحاث الطاقة، تصدرت إيطاليا قائمة أكبر الوجهات المستقبلة للنفط الخام الليبي خلال شهر مارس، أول شهر كامل بعد اندلاع شرارة المواجهة في الخليج.

ورغم هذا الصدارة، إلا أن الأرقام تكشف عن إعادة تموضع استراتيجي هادئ، حيث سجلت واردات روما من الخام الليبي تراجعاً سنوياً بنسبة 17% لتستقر عند 393 ألف برميل يومياً، بعد أن كانت قد بلغت 471 ألف برميل يومياً في الشهر ذاته من عام 2025.

هذا الانخفاض لا يعكس بالضرورة تراجعاً في الشهية الإيطالية بقدر ما يعكس إعادة توزيع الأعباء داخل الكتلة الأوروبية في ظل البحث المحموم عن بدائل للنفط الخليجي المفقود.

في المركز الثاني، حافظت إسبانيا على وتيرة مشترياتها مع ارتفاع طفيف بنسبة 2.4% لتبلغ وارداتها 140 ألف برميل يومياً. لكن المفاجأة الكبرى التي قلبت موازين قائمة كبار المستوردين كانت اقتحام كرواتيا للمرتبة الثالثة.

 فقد قفزت واردات زغرب من الخام الليبي إلى 110 آلاف برميل يومياً، مقارنة بصفر واردات خلال الفترة ذاتها من العام السابق.

وتكشف مقارنة البيانات الشهرية أن كرواتيا ضاعفت وارداتها ثلاث مرات مقارنة بشهر فبراير، وهو ما يعكس استراتيجية طارئة من مصافي التكرير في شرق أوروبا لتعويض نقص الإمدادات عبر خطوط الأنابيب البديلة واللجوء المكثف إلى موانئ البحر الأدرياتيكي.

ولم تكن اليونان بمنأى عن موجة الصعود، إذ احتلت المركز الرابع بقفزة سنوية بلغت 81% لتصل واردات أثينا إلى 93 ألف برميل يومياً.

وفي ذيل القائمة الأوروبية الرئيسية، جاءت المملكة المتحدة في المركز الخامس رغم انخفاض مشترياتها بنسبة 8% إلى 77 ألف برميل يومياً، وهو انكماش يعزوه المراقبون إلى تباطؤ النشاط الصناعي في الجزر البريطانية وتنامي الاعتماد على مخزونات استراتيجية جرى ضخها مع بداية الأزمة.

حقل الشرارة: ثلث الإنتاج الليبي تحت رحمة النيران

في الوقت الذي كان يمكن فيه لليبيا أن تملأ الفراغ الناجم عن شح المعروض الخليجي، جاء حريق السابع عشر من مارس في خط التصدير المغذي لحقل الشرارة ليوجه ضربة موجعة لطموحات التصدير.

الحقل، الذي يضخ ما بين 300 إلى 320 ألف برميل يومياً – أي ما يعادل ثلث طاقة البلاد الإنتاجية – تعرض لانخفاض فوري في تدفقاته بنسبة 50% بينما استمرت فرق الطوارئ في مكافحة ألسنة اللهب لثلاثة أيام متواصلة.

هذا الحادث يفسر لماذا ظلت صادرات النفط الليبي المنقول بحراً خلال شهر مارس منخفضة بنسبة 1.2% على أساس شهري رغم الحوافز السعرية العالمية الهائلة للتصدير، إذ استقر إجمالي الشحنات عند 1.20 مليون برميل يومياً مقارنة بـ 1.21 مليون برميل يومياً في فبراير.

صورة الربع الأول: استقرار هش وإعادة تموضع جغرافي

عند النظر إلى أداء الربع الأول من العام 2026، تتجسد صورة أكثر وضوحاً للاستقرار النسبي الذي تتمتع به المنشآت النفطية الليبية بعيداً عن هشاشة البنية التحتية.

فقد استقر متوسط الصادرات الليبية الخام عند 1.17 مليون برميل يومياً، وهو انخفاض طفيف بنسبة 1% عن نفس الربع من عام 2025، لكنه مستوى يظل ثابتاً دون تغيير يُذكر مقارنة بالربع الأخير من العام الماضي.

هذا الثبات النسبي في وجه عاصفة جيوسياسية شرق أوسطية يرسخ مكانة ليبيا كمورد موثوق وإن كان عرضة للتقلبات الفنية المفاجئة.

وتتصدر إيطاليا قائمة أكبر المتسلمين للنفط الليبي في الأشهر الثلاثة الأولى من العام بمتوسط 505 آلاف برميل يومياً، تليها إسبانيا بـ 142 ألف برميل يومياً.

ثم تظهر اليونان بقوة عبر متوسط 79 ألف برميل يومياً، بينما تستمر تايلاند في تمثيل البصمة الآسيوية الوحيدة المؤثرة بمتوسط 73 ألف برميل يومياً، قبل أن تأتي كرواتيا الصاعدة حديثاً بمتوسط 66 ألف برميل يومياً خلال الربع.

بين الطموح المليوني وكوابيس الماضي

تسير طرابلس على حبل مشدود بين طموحاتها الاستراتيجية المعلنة ببلوغ سقف مليوني برميل يومياً بحلول نهاية العقد الحالي، وبين واقع ميداني تتصارع فيه جهود تطوير الحقول غير المستغلة مع كوابيس حرائق المرافق المتقادمة.

 فبعد أن حققت البلاد قفزة إنتاجية لافتة في 2025 بمتوسط 1.37 مليون برميل يومياً، مدعومة بحالة من الاستقرار السياسي النسبي، يأتي حادث الشرارة ليذكر صناع القرار والمستثمرين بأن احتياطيات البلاد البالغة 48.4 مليار برميل – وهي سابع أضخم احتياطيات في منظمة الأقطار المصدرة للبترول – تحتاج إلى أكثر من مجرد هدوء سياسي، بل تحتاج إلى ثورة في صيانة البنى التحتية المتآكلة.

في الختام، ترسم بيانات مارس 2026 مشهداً متناقضاً: قارة أوروبية تمد أياديها نحو الخام الليبي بقوة دفعتها الأزمة الخليجية، ودولة ليبية تملك من المخزون ما يؤهلها لريادة الموردين لكنها مكبلة بسلاسل بنيتها التحتية الهشة.

وبينما تنسحب دول مجلس التعاون الخليجي مؤقتاً من المشهد بسبب إغلاق الممرات المائية، تبقى ليبيا اللاعب البديل الأهم في معادلة أمن الطاقة الأوروبي، لكنها لاعب يتحرك بحذر شديد وعلى أرضية قابلة للاشتعال في أي لحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى