ليبيا

اقتصاد الريع المنهك.. كيف يحول الإنفاق المفرط والانقسام السياسي حياة الليبيين إلى جحيم يومي؟

ريع النفط يتحول إلى لعنة.. والمواطن الليبي يدفع الثمن: دينار منهك ومصافي معطلة ومستقبل مجهول

ليبيا 24

صراع النخب الاقتصادية يكشف حقيقة “المنافسة” في ليبيا.. بين شعارات السوق الحر وهيمنة الاحتكار

عندما يتحول النفط من نعمة إلى نقمة

في بلد يمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وتتجاوز إيراداته السنوية عشرات المليارات من الدولارات، يعيش المواطن الليبي اليوم معاناة يومية لا تطاق. طوابير الخبز تعود لتطل برأسها من جديد، وكأن الزمن عاد إلى عقود الثمانينات القاسية.

والدينار الليبي ينهار بشكل متسارع، مسجلاً مستويات قياسية من التدهور، بينما تتضخم فاتورة الدين العام إلى أرقام فلكية تجاوزت 284 مليار دينار.

هذا التناقض الصارخ بين ثروة البلد وفقر مواطنيه هو ما دفع نخبة من أبرز الخبراء الاقتصاديين الليبيين إلى فتح نقاش عام حول جذور الأزمة، في حوار علني جمع بين الدكتور عطية الفيتوري، والدكتور أيوب الفارسي، والخبير إدريس الشريف، ورجل الأعمال حسني بي، والدكتور علي الشريف، والدكتور امراجع غيث، وغيرهم.

نقاش كشف عن حجم التمزق الذي يعانيه الاقتصاد الليبي، وعن مسؤولية حكومة عبد الحميد الدبيبة – التي انتهت ولايتها قانونياً – في تعميق هذه الأزمة، عبر سياسات الإنفاق المفرط والانقسام المالي الذي فتح الباب على مصراعيه للهدر والفساد.

جدلية المنافسة بين الشعار والواقع

في بداية النقاش، طرح الدكتور عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، رؤية فلسفية عميقة حول مفهوم المنافسة، مشيراً إلى أن “الإنسان سواء كان فرداً أو مؤسسة أو دولة، لا يحب المنافسة لذاتها، بل يحب نتائجها عندما تصب في مصلحته”.

وأوضح أن المنافسة قد تؤدي في نهايتها إلى الاحتكار، حيث تسعى الوحدات الاقتصادية القوية إلى السيطرة على السوق، إما عبر الاندماج أو عبر إقصاء المنافسين.

هذه الرؤية وجدت صدى لدى الدكتور أيوب الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي، الذي أكد أن “المنافسة تحمل في طياتها بذور فنائها، فالتنافس الأشد يؤدي بالضرورة إلى غلبة طرف على آخر، ومن ثم السعي الطبيعي نحو الاحتكار”. وأشار الفارسي إلى أن “السيطرة المطلقة هي الغاية المضمرة لكل كيان قوي يملك أدوات الهيمنة”.

لكن الخبير إدريس الشريف ذهب إلى ما هو أبعد من التنظير الأكاديمي، متحدثاً عن واقع مرير يعرفه أهل السوق في ليبيا، حيث “التجار الذين صدعوا روسنا بالمنافسة، نعرف منهم من طردوا تجاراً صغاراً من السوق، وذلك بعرض بضاعة أقل من تكلفتها، ما أدى إلى خسارة التجار الصغار وإخراجهم تماماً من السوق”.

وأكد الشريف وجود “وقائع موثقة يعرفها أهل السوق في بضائع معينة يحتكرها أحدهم”.

هذه الشهادة تكشف عن الوجه القبيح للرأسمالية الفوضوية التي تعيشها ليبيا اليوم، حيث تتحول المنافسة من أداة لتحسين الخدمات وخفض الأسعار إلى سلاح لإبادة المنافسين وتكريس الاحتكار، في غياب تام لدور الدولة الرقابي والضبطي.

الإنفاق المفرط.. قنبلة موقوتة تدمر قيمة الدينار

في تحليل عميق للأزمة النقدية، قدم الدكتور أيوب الفارسي تشخيصاً قاسياً للواقع الاقتصادي الليبي، معتبراً أن “الاقتصاد الليبي نموذج لتحول الاعتماد المفرط على النفط لأزمة مالية مركبة، حيث ينتج غياب التنويع الاقتصادي والتشرذم السياسي وضعاً يمس حياة المواطن ومعيشته”.

وأوضح أن هذا الاعتماد المفرط أوجد “اختلالات هيكلية عميقة، منها تهميش القطاعات الإنتاجية، وتضخم الجهاز الإداري، والاعتماد على الاستيراد لتغطية أغلب السلع الاستهلاكية”.

وأشار الفارسي إلى أن “الانقسام فاقم الوضع الاقتصادي، وأنشأ مالية عامة متوازية، وإنفاقاً استهلاكياً مفرطاً للأطراف المتنافسة، فارتفعت بندا المرتبات والدعم لمستويات غير مسبوقة”.

وأضاف أن “تكرر إغلاق النفط وتراجع الإيرادات سابقاً، لجأت السلطات المالية للتمويل بالعجز والتوسع في الدين العام، فغرق السوق في كتل نقدية لا تقابلها أي زيادة إنتاج”.

هذا التوسع النقدي الهائل، كما يرى الفارسي، هو الذي “أدى إلى تآكل قيمة الدينار وشح السيولة وانعدام الثقة، وشلل أدوات التنمية، فتحولت السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية”.

النفط ليس المرض.. بل طريقة إدارة الريع

لكن رجل الأعمال حسني بي قدم قراءة مغايرة جزئياً، مؤكداً أن “النفط ليس المشكلة، بل طريقة إدارة ريع النفط”. واستشهد بتجارب دول أخرى تعتمد على النفط لكنها استطاعت “تحويل الريع إلى أصول وبنية تحتية وصناديق واستثمارات واقتصاد أكثر إنتاجية”.

وأضاف بي: “المشكلة الليبية هي أننا نحصل على الجزء الساحق من موارد الدولة بالدولار من النفط والغاز، ثم نحولها إلى دينار ونستخدم جانباً كبيراً منها في تمويل نموذج إنفاق واستهلاك دائم”.

وتساءل: “بدلاً من أن نسأل فقط أين ذهب الدولار، يجب أن نسأل أيضاً: من أين جاءت كل الدينارات التي تطارد الدولار؟”

وفي إشارة واضحة إلى تورط حكومة الدبيبة في تفاقم الأزمة، أشار بي إلى أن “السياسة المالية تنفق وتضخ الدينار، ثم نطلب من السياسة النقدية أن تحافظ في الوقت نفسه على سعره، وتوفر الدولار، وتحمي الاحتياطيات، وتكبح التضخم. لا يستطيع أي مصرف مركزي أن يحقق ذلك إلى ما لا نهاية إذا استمرت السياسة المالية في الاتجاه المعاكس”.

رسالة وزير المالية.. محاولة يائسة لتبرير الفشل

في تطور لافت، كشف الدكتور علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عن رسالة وجهها وزير المالية بحكومة الدبيبة إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي، يحاول فيها تبرير تدهور الأوضاع الاقتصادية وإنكار مسؤولية الإنفاق الحكومي عن تدهور سعر الصرف.

وعلق الشريف على هذه الرسالة قائلاً: “صحيح أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر سلباً في سعر الصرف، وليس الإنفاق الحكومي وحده المسؤول عن ذلك، إلا أن حجم الإنفاق العام يظل من أهم العوامل وأكثرها تأثيراً، خاصة في ظل طبيعة الاقتصاد الليبي”.

وأضاف: “فعندما نتحدث عن الدين العام شرقاً وغرباً، فإننا نتحدث في النهاية عن إنفاق عام. وعندما نتحدث عن التطور الكبير في فاتورة المرتبات، فإننا نتحدث أيضاً عن إنفاق عام. وكذلك الأمر بالنسبة لفاتورة دعم المحروقات”.

ورداً على سؤال حول شرعية هذا الإنفاق، تساءل الدكتور امراجع غيث، عضو مجلس إدارة المصرف المركزي سابقاً: “وهل الإنفاق أصلاً يتم وفقاً لميزانية؟ أين هو قانون مجلس النواب الذي اعتمد الميزانية لحكومة الوحدة لكي تنفق؟”.

وهو سؤال يوجه سهام الاتهام مباشرة إلى حكومة الدبيبة التي تواصل الإنفاق خارج أي إطار قانوني أو رقابي.

أما حسني بي، فكان أكثر حدة في تعليقه على رسالة الوزير، معتبراً أنها “رسالة مبطنة” مضمونها “لست أنا من ينفق”، في إشارة إلى محاولة وزير المالية التملص من المسؤولية عن الكارثة المالية التي يقودها فريقه الحكومي.

غياب الميزانية والرقابة.. الفساد يتغذى على الفراغ

من جانبه، كشف إدريس المحجوب، مفتش ومراجع حسابات بديوان المحاسبة، عن حجم المأساة الرقابية، مشيراً إلى أن “جميع مراحل آليات صرف المال العام لا تلبي الحاجة للضبط، بداية من مقترح الموازنة العامة للدولة والذي يفتقد للتطوير وتحديث أساليب الإعداد والدراسات، إلى جهة الاعتماد التشريعية في عدم الاكتراث بإصدار قانون الموازنة العامة الذي يفترض أنه بإصداره يكون رادعاً ومراقباً على الإنفاق”.

وأضاف المحجوب أن إجراءات الصرف “تكاد تخلو من أدوات الضبط المسبق للصرف وتهميش أدوات الرقابة الداخلية على الصرف”، مما يعني أن المال العام يُصرف دون أي رقيب أو حسيب، في مشهد يذكر بأسوأ فترات الفساد في تاريخ ليبيا.

معضلة المصافي.. لماذا تظل ليبيا رهينة استيراد المشتقات النفطية؟

في زاوية أخرى من النقاش، أثار الدكتور امراجع غيث سؤالاً محيراً: “كل الليبيين يتساءلون: نحن دولة نفطية، لماذا لا توجد عندنا مصافي لتكرير النفط؟ ما هي الأسباب؟ هل هناك فيتو من جهة ما؟ سؤال لم تستطع الإجابة عليه المؤسسة نفسها”.

وجاء رد الدكتور عطية الفيتوري قاطعاً: “لا يوجد حظر دولي من أي جهة على إقامة مصفاة في ليبيا. فقد جاءت شركة أمريكية لبناء مصفاة في طبرق بقدرة 200 ألف برميل يومياً، وتم الاطلاع على دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية من قبل متخصصين ليبيين. ولكن لا حياة لمن ينادي”.

وأضاف الفيتوري بصيغة تشخيصية حاسمة: “إذا لم يتم انتخاب رئيس للبلاد يتولى لملمة أطرافها، فكل الحلول الأخرى ستجعلنا ندور في نفس الحلقة المفرغة”.

أما فيصل المغربي، عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للعلوم الإدارية، فقدم تفسيراً سياسياً للمعضلة، مؤكداً أن “الجانب الغربي من البلاد مستحيل أن يقبل أي حل أو أي شخصية تنقل صلاحيات السلطة والمال منهم”.

ودعا المغربي إلى “نظام حكم كونفدرالي حتى لمدة عام واحد، يخلي السراقه والمستحوذين على مفاصل إقليم طرابلس يخرجوا من البلاد، لأنهم لن يقعدوا ويصرفوا من الفلوس اللي سرقوها ويهربوا بها للخارج”.

وعلق الدكتور غيث على هذا الطرح، مشيراً إلى أنه سأل أحد رؤساء المؤسسة السابقين عن سبب عدم جذب مستثمرين أجانب، وكانت إجابته “بعيدة عن الواقع”.

وأضاف غيث: “كما قال الدكتور أحمد عويدات – للأسف – نملك مصافي في الخارج عن طريق شركة الاستثمارات النفطية، مثل النخلة والعوجة”. في إشارة إلى التناقض الصارخ بين تموضع أصول التكرير الليبية خارج البلاد وعجز الداخل عن تلبية احتياجاته الأساسية.

شبكة الحماية الاجتماعية.. بين النوايا الحسنة ومصالح التجار

في محاولة لتخفيف معاناة المواطنين، أعلن الدكتور علي الشريف عن تفعيل “صندوق موازنة الأسعار” بهدف الحد من تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين. وأشار إلى أن “وزير الاقتصاد باشر في هذا الموضوع، والعمل على توفير عدد من السلع الأساسية”.

لكن الخبير إدريس الشريف أعرب عن تخوفه من أن يتحول هذا الصندوق إلى “فرصة جديدة لأصحاب المصلحة من التجار المتعاملين معه”، مشيراً إلى أن “قصة معروفة ومجربة” حيث سيمنح الصندوق اعتمادات لشراء القمح من المطاحن المحلية، والسلع الأخرى من شركات التجار في تونس وتركيا ودبي ومصر.

ورد عليه الدكتور علي الشريف مؤكداً أن الاستيراد سيكون “مباشراً من قبل الصندوق وليس عن طريق التجار”، محاولاً طمأنة الرأي العام بأن هذه المرة ستكون مختلفة.

لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: في ظل غياب الرقابة والشفافية، كيف يمكن ضمان عدم تسرب هذه الاعتمادات إلى جيوب التجار مرة أخرى؟

العودة إلى المربع الأول.. طوابير الخبز تعود

في مشهد يبعث على الكآبة، أشار الدكتور علي الشريف إلى أن “عندما انخفضت أسعار النفط خلال نهاية الثمانينات، بدأت الحكومة في ذلك الوقت بسياسة تقشفية بقيادة المهندس جادالله الطلحي، ونجحت في تقليل الآثار السلبية للصدمة السلبية للنفط. أما الآن فأسعار النفط مرتفعة وكل المؤشرات الاقتصادية في أسوأ أحوالها”.

وتساءل الشريف: “كانت الطوابير علامة حاضرة في فترة الثمانينات من القرن الماضي. الآن تتكرر هذه الظاهرة من جديد. هل تتوقع أن تنتهي ظاهرة الطوابير في ليبيا مستقبلاً؟”

وجاء رد حسني بي قاسياً ومذكراً: “د. علي، أولاً الله يرحمه. ولكن أرجوك للتذكير: انهار الدينار من 3.30 دولار = 1 دينار إلى 1 دولار = 1.400، مروراً بسعر سوق سوداء 1500% الأسوأ في تاريخ ليبيا. عام 2016-2017-2018 كان حد تقصى 1000% بالصك”. في إشارة إلى أن ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لعملية تدمير ممنهجة للعملة الوطنية ولقدرة المواطن الشرائية.

الخلاصة: حكومة منتهية الولاية تواصل نهب المستقبل

ما يقدمه هذا النقاش الاقتصادي الشامل هو صورة قاتمة لدولة غنية بمواردها، فقيرة بحكمتها.

دولة تنهب أموالها نخبة سياسية واقتصادية مستفيدة من حالة الانقسام والفراغ القانوني، وفي مقدمتها حكومة عبد الحميد الدبيبة التي انتهت ولايتها ولم تعد تمثل أي شرعية، لكنها تواصل الإنفاق خارج الميزانية، وتعميق الانقسام المالي، وابتلاع الريع النفطي دون أي أثر تنموي ملموس.

المطلوب اليوم، كما أجمع الخبراء، هو توحيد المالية العامة وضبط الإنفاق، والانتقال من اقتصاد توزيع الريع إلى اقتصاد خلق القيمة، وإصلاح هيكلي حقيقي يشمل الدعم والمرتبات وسعر الصرف.

ولكن قبل كل ذلك، يبقى السؤال السياسي الأهم: متى يخرج الليبيون من عنق الزجاجة الذي وضعتهم فيه نخبة حكمت لصالحها لا لصالحهم؟ ومتى تتحول الثروة النفطية من لعنة إلى نعمة تعم على الجميع؟

المواطن الليبي المكلوم ينتظر إجابة، وأي إجابة، قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى