التحركات الروسية والأمريكية ترسم ملامح جديدة للحل في ليبيا
موسكو وواشنطن أمام اختبار التفاهم على مستقبل الدولة الليبية

تتجه التحركات الدولية بشأن الأزمة الليبية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تصاعد الحديث عن توحيد مؤسسات الدولة وإعادة ترتيب موازين القوى، بالتزامن مع زيارة نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق صدام حفتر، إلى موسكو، وما رافقها من تصريحات روسية داعمة لتوحيد المؤسسات الليبية.
ويرى المحلل السياسي نصر الله السعيطي أن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه توحيد المؤسسات في ليبيا، إلى جانب مستوى الاستقبال الذي حظي به الفريق صدام حفتر في موسكو، يعكسان تحولًا في طريقة تعاطي القوى الدولية مع الملف الليبي، يقوم على توسيع قنوات التواصل وعدم حصر العلاقات مع طرف سياسي أو عسكري واحد.
موسكو تعيد تثبيت حضورها في ليبيا
ويعتبر السعيطي أن زيارة الفريق صدام حفتر إلى روسيا تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ يرى أنها تعكس امتلاك القيادة العامة هامشًا من الحركة والقرار، وعدم ارتباط تحركاتها بالضرورة بجهة دولية واحدة.
وفي المقابل، تبدو موسكو حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع ليبيا، بالنظر إلى ما تمثله البلاد من أهمية استراتيجية باعتبارها بوابة إلى أفريقيا، وموقعًا مؤثرًا في الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، إلى جانب فرص الاستثمار والتعاون والتدريب والتسليح.
ولا تختصر المصالح الروسية في ليبيا، وفق هذا الطرح، في الجانب العسكري أو احتمال إقامة قواعد، وإنما تمتد إلى ملفات اقتصادية واستثمارية وأمنية، بما يجعل الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف هدفًا روسيًا أساسيًا.
واشنطن وموسكو.. مصالح متقاطعة رغم اختلاف الأولويات
في المقابل، يضع السعيطي الولايات المتحدة في موقع أكثر تركيزًا على الملفات الأمنية والعسكرية وقطاع النفط والاستثمارات، معتبرًا أن اختلاف الأولويات بين واشنطن وموسكو لا يمنع الوصول إلى تفاهمات عندما تتقاطع المصالح.
ويأتي ذلك في ظل نظام دولي باتت فيه الملفات مترابطة بصورة متزايدة، بحيث يمكن أن تتحول الأزمات الإقليمية إلى أوراق تفاوض ضمن تفاهمات أوسع. ومن هذه الزاوية، لا تبدو ليبيا بمعزل عن تداعيات الحرب في أوكرانيا، والصراعات الإقليمية، والتنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا والبحر المتوسط.
لكن قراءة المشهد باعتباره مجرد صفقة مصالح بين القوى الكبرى تحمل جانبًا من الخطورة؛ إذ إن اختزال الأزمة الليبية في حسابات النفوذ الخارجي قد يؤدي إلى تهميش العامل الداخلي، وهو العامل الأكثر تأثيرًا في قدرة أي تسوية على الاستمرار.
توحيد المؤسسات.. توافق دولي يصطدم بعقدة الداخل
يشير السعيطي إلى أن غالبية القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف الليبي، من بينها مصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وروسيا والصين وعدد من الدول العربية، تعلن دعمها لتوحيد مؤسسات الدولة.
ويربط المحلل ذلك بالمبادرات الدولية المطروحة، ومنها مبادرة مسعد بولس وخطة بعثة الأمم المتحدة، معتبرًا أن المسار الحالي يحظى بفرص أكبر للدفع نحو تسوية سياسية مقارنة بمراحل سابقة.
غير أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: هل يكفي التوافق الدولي على عنوان توحيد المؤسسات للوصول إلى دولة موحدة فعليًا؟
فالخلاف الليبي لا يرتبط فقط بتعدد الحكومات والأجسام السياسية، وإنما يمتد إلى توزيع النفوذ والموارد، والسيطرة على المؤسسات السيادية، وآليات إدارة الثروة النفطية، وترتيبات المؤسسة العسكرية والأمنية، وهو ما يجعل تنفيذ أي اتفاق أكثر صعوبة من صياغته.
الحل السياسي بين الضغط الدولي والقبول المحلي
ويرى السعيطي أن القوى الكبرى قد تستخدم أدوات سياسية واقتصادية وأمنية للضغط على الأطراف التي تعرقل التسوية، في ظل تكثيف الزيارات والاتصالات الدولية مع مختلف الأطراف الليبية.
إلا أن نجاح الضغط الخارجي يظل مرتبطًا بوجود مسار داخلي قادر على استيعاب مخرجاته. فالتجارب السابقة أظهرت أن التفاهمات الدولية قد تنتج ترتيبات مؤقتة إذا لم تجد قبولًا محليًا واسعًا، كما أن فرض أي صيغة سياسية دون حاضنة اجتماعية قد يعيد إنتاج الانقسام بدلًا من إنهائه.
المؤسسة العسكرية والانتخابات في قلب المعادلة
ويضع السعيطي توحيد المؤسسة العسكرية في مقدمة عوامل نجاح أي تسوية، إلى جانب مكافحة الفساد وبناء مؤسسات الدولة وفق رؤية واضحة، معتبرًا أن توحيد القوات في شرق البلاد وغربها وجنوبها يمكن أن يشكل أساسًا لاستقرار سياسي وأمني أوسع.
كما يرى أن استمرار حالة الانسداد السياسي قد يدفع في النهاية نحو حل شامل يعيد ليبيا إلى مسار الانتخابات، بعد سنوات من المراحل الانتقالية وتعثر الاستحقاقات الانتخابية.
غير أن الانتخابات، بدورها، لا يمكن أن تكون حلًا منفردًا ما لم تسبقها أو تتزامن معها ترتيبات واضحة بشأن القواعد الدستورية والقانونية، وضمانات قبول النتائج، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ مخرجاتها.
الاقتصاد والخدمات.. الاختبار الحقيقي لأي تسوية
ويؤكد السعيطي أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية والاقتصادية، معتبرًا أن المواطن الليبي أصبح في حاجة إلى نتائج ملموسة تتجاوز الصراع السياسي، وفي مقدمتها انتظام عمل المؤسسات السيادية، وتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة أزمات الكهرباء والمياه والمرتبات.
وهنا تبرز النقطة الأهم في أي تسوية مقبلة؛ فشرعية أي مشروع سياسي لن تقاس فقط بحجم الدعم الدولي الذي يحظى به، وإنما بقدرته على تحسين حياة المواطنين، وضبط الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وتوحيد القرار الاقتصادي والمالي.
ليبيا بين النفوذ الخارجي وضرورة القرار الوطني
وتكشف مجمل هذه المعطيات أن ليبيا تقف أمام معادلة دقيقة: القوى الدولية تبدو أكثر استعدادًا لدعم مسار يوحد المؤسسات، لكنها في الوقت نفسه تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في أي طرف دولي يمتلك النفوذ الأكبر، بل في قدرة الليبيين على تحويل التقاطع الدولي إلى فرصة لبناء تسوية وطنية قابلة للاستمرار.
فالدعم الروسي أو الأمريكي أو الأوروبي يمكن أن يوفر غطاءً سياسيًا للحل، لكنه لا يستطيع بمفرده إنتاج دولة مستقرة. كما أن أي ترتيبات تتجاهل التوازنات الداخلية أو تُبنى على استبعاد قوى مؤثرة قد تواجه صعوبات في تثبيت شرعيتها.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة الليبية أمام فرصة جديدة لإعادة ترتيب المشهد، لكن نجاحها سيظل مرهونًا بانتقال الأطراف من إدارة الانقسام إلى بناء مؤسسات موحدة، ومن صراع النفوذ إلى التوافق على قواعد الدولة، بحيث يصبح الاستقرار والانتخابات وتحسين الأوضاع المعيشية نتائج لمسار وطني، لا مجرد مخرجات لتفاهمات القوى الخارجية



