ليبيا

4+4 أمام اختبار الشرعية التشريعية.. والانتخابات رهينة توافق النواب والدولة

السنوسي: التفاهمات قد تمهّد لتشكيل حكومة.. لكنها لا تحسم القوانين الانتخابية

تواجه التفاهمات المتداولة عن لجنة 4+4 في ليبيا اختبارًا سياسيًا وتشريعيًا حاسمًا، في ظل غياب توافق واضح بين مجلسي النواب والدولة بشأن المسار، وسط تحذيرات من أن أي اتفاق لا يحظى بغطاء المؤسستين التشريعيتين قد يظل محدود الأثر وغير قادر على إنتاج تسوية شاملة.

ويرى المحلل السياسي إسماعيل السنوسي أن ما يجري تداوله بشأن توصل اللجنة إلى تفاهمات حول عدد من النقاط الخلافية لا يعني بالضرورة إمكانية تنفيذها، مؤكدًا أن أي مخرجات ستظل بحاجة إلى اعتماد مجلسي النواب والدولة، إلى جانب موافقة القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة باعتبارهما طرفي التفاوض في المسار الحالي.

4+4 أم 2+2؟

وينتقد السنوسي طبيعة تشكيل المسار، معتبرًا أنه لا يمثل صيغة 4+4 بصورة مكتملة، وإنما أقرب إلى 2+2، في ظل تمثيل القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية بعضوين عن كل طرف، مقابل غياب مجلسي النواب والدولة عن طاولة التفاوض.

ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة، باعتبار أن عدم صدور موقف رسمي من مجلس النواب لا يمكن تفسيره تلقائيًا باعتباره موافقة على الآلية، في وقت أعلن فيه مجلس الدولة رفضه للمسار، واتخذ إجراءات بحق عضويه المشاركين فيه.

ويرى السنوسي أن استمرار الغموض بشأن موقف مجلس النواب يزيد من هشاشة أي تفاهمات محتملة، خصوصًا أن المجلس لم يعقد جلسة منذ أبريل لإعلان موقف واضح من هذا المسار.

القوانين الانتخابية.. العقدة الأصعب

وتبقى القوانين الانتخابية أبرز نقاط الاختبار أمام أي تفاهمات جديدة، إذ يؤكد السنوسي أن تعديلها لا يمكن أن يتم بمعزل عن السلطة التشريعية.

وأشار إلى أن مخرجات لجنة 6+6 أصبحت جزءًا من الإطار التشريعي القائم، وبالتالي فإن إدخال تعديلات عليها يتطلب توافقًا بين مجلسي النواب والدولة، قبل أن يتولى مجلس النواب اعتمادها وإصدارها في صورة قوانين نافذة.

ومن هنا، فإن أي تفاهم بين القيادة العامة وحكومة الوحدة قد يفتح الباب أمام معالجة ملف السلطة التنفيذية، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده لإعادة صياغة المسار الانتخابي، خاصة إذا تضمنت التفاهمات فصل الانتخابات الرئاسية عن التشريعية، وهي خطوة يتوقع السنوسي أن تواجه اعتراضات من المجلسين.

تحميل النواب والدولة مسؤولية التعطيل.. قراءة تحتاج إلى مراجعة

وفي قراءة نقدية لمسار الأزمة، يرفض السنوسي اختزال مسؤولية تعثر الانتخابات في مجلسي النواب والدولة، مستندًا إلى أن المجلسين سبق أن توافقا، بموجب التعديل الدستوري الثالث عشر، على تشكيل لجنة 6+6 وإعداد القوانين الانتخابية.

ويرى أن أسباب التعطيل لا ترتبط بالمؤسسات التشريعية وحدها، بل تشمل أداء السلطات التنفيذية، فضلًا عن أدوار البعثة الأممية خلال مراحل سابقة.

وينتقد السنوسي تجاهل بعض التوافقات الليبية السابقة، ومنها مخرجات 6+6 واتفاق بوزنيقة بشأن المؤسسات السيادية، معتبرًا أن إعادة تدوير المبادرات دون البناء على ما تم إنجازه قد يطيل أمد الأزمة بدلًا من تفكيكها.

الدور الفرنسي.. فرصة أم مبادرة جديدة؟

وفي السياق الدولي، يرى السنوسي أن فرنسا تمتلك فرصة مؤثرة لدفع التسوية الليبية، خصوصًا عبر تقريب وجهات النظر بين مجلسي النواب والدولة.

ويعزو أهمية الدور الفرنسي إلى عضوية باريس الدائمة في مجلس الأمن وثقلها داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تحركاتها الأخيرة في طرابلس وبنغازي، وما يرتبط بها من اتصالات واجتماعات إقليمية، بينها تحركات في القاهرة والتحضير لاجتماع مرتقب في باريس.

لكن السنوسي يحذر من أن تتحول الخطوة الفرنسية إلى مبادرة إضافية تضاف إلى سلسلة المبادرات السابقة دون معالجة جوهر الأزمة.

وبحسب رؤيته، فإن القيمة الحقيقية لأي تحرك فرنسي ستتوقف على قدرته على دفع المجلسين نحو تسوية عملية بشأن تشكيل الحكومة والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية، وصولًا إلى الاتفاق على موعد محدد للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

واشنطن.. المصالح تتقدم على الحسابات السياسية

ويرى السنوسي أن الولايات المتحدة قد تدعم جهدًا فرنسيًا إذا أفضى إلى استقرار سياسي واضح وانتخابات، مشيرًا إلى أن المصالح الأميركية في ليبيا تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة، لتشمل مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والطاقة والنفط والغاز.

كما يشير إلى حضور الشركات الأميركية والعقود الموقعة مع المؤسسة الوطنية للنفط، معتبرًا أن واشنطن تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره عاملًا ضروريًا لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.

وفي هذا الإطار، يتوقع السنوسي انتقال إدارة الملف الليبي داخل الإدارة الأميركية إلى جاريد كوشنر، بما قد يفتح المجال، وفق تقديره، أمام دعم مسار أممي يسعى إلى تجاوز الجمود والبدء بتوحيد السلطة التنفيذية، ثم الانتقال إلى الانتخابات.

النفط يمدد عمر الانقسام

ويقدم السنوسي تفسيرًا لافتًا لاستمرار الأزمة، معتبرًا أن تدفق النفط ساعد الأطراف الليبية على إدارة خلافاتها والإبقاء على الوضع القائم طوال سنوات الانقسام.

وبحسب هذه القراءة، فإن استمرار الموارد النفطية وفر قدرًا من القدرة على التعايش مع الانقسام، في حين أن توقف الإنتاج بصورة كاملة كان يمكن أن يفرض ضغطًا أكبر على الأطراف لدفعها نحو تسوية أسرع.

وتكشف هذه الرؤية عن جوهر المعضلة الليبية: فالأزمة لا تتعلق فقط بغياب المبادرات أو التفاهمات، وإنما بوجود مصالح سياسية واقتصادية تسمح باستمرار الوضع الانتقالي دون حسم نهائي.

اختبار 4+4 الحقيقي

وبناءً على ذلك، فإن التحدي أمام مسار 4+4 لا يتمثل فقط في الوصول إلى تفاهمات بين أطرافه، وإنما في تحويل هذه التفاهمات إلى اتفاق يحظى بشرعية مؤسساتية وقابلية للتنفيذ.

فإذا بقي مجلسا النواب والدولة خارج دائرة التوافق، فإن أي اتفاق بشأن القوانين الانتخابية سيواجه عقبة قانونية وسياسية، بينما قد يظل الاتفاق بشأن الحكومة أكثر قابلية للتحقق باعتباره أقل ارتباطًا بالتشريع الانتخابي.

ويرى السنوسي أن وصول المسار إلى طريق مسدود قد يعيد طرح الحاجة إلى توافق المجلسين أو اللجوء إلى تفعيل المادة 64، بما يعني أن الأزمة قد تعود مجددًا إلى نقطة الخلاف الأساسية: من يملك الشرعية والقدرة على إنتاج القواعد التي تقود ليبيا إلى الانتخابات؟

وفي المحصلة، تبدو معادلة 4+4 أمام اختبار يتجاوز قدرة أطرافها الأربعة على التفاهم؛ فنجاحها يتوقف على قدرتها على إنتاج توافق أوسع لا يستثني المؤسسات التشريعية، ويحول دون إعادة إنتاج دائرة المبادرات الانتقالية التي لم تنجح حتى الآن في إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى