العبيدي: مجلس الدولة يفاقم أزمة السيادة ويغتال المسار الانتخابي

ليبيا 24
العبيدي يحذر من تفاقم أزمة السيادة وتآكل المسار الانتخابي
قال الباحث السياسي جبريل العبيدي إن الأزمة الليبية الراهنة لم تعد محصورة في خلافات سياسية عابرة، بل تحولت إلى أزمة سيادة مكتملة الأركان، تتداخل فيها الصلاحيات الدستورية بالمصالح الضيقة، وتتقدم فيها حسابات البقاء في السلطة على حساب الاستحقاق الانتخابي الذي ينتظره الليبيون منذ سنوات. وأوضح أن ملف المناصب السيادية بات عنواناً صارخاً لهذا الانسداد، في ظل صراع مفتوح بين مجلس النواب المنتخب ومجلس الدولة الذي تجاوز، بحسب توصيفه، الدور الاستشاري الممنوح له بموجب الاتفاقات السياسية.
خلاف تشريعي يتجاوز النصوص
وأشار العبيدي إلى أن أصل الأزمة يعود إلى الخلل في تفسير الاتفاقات السياسية، ولا سيما اتفاق الصخيرات، الذي أنشأ مجلس الدولة كجسم استشاري يعاون البرلمان ولا ينازعه اختصاصاته. غير أن الواقع، وفق قوله، أظهر تمدداً في صلاحيات هذا المجلس، ومحاولات مستمرة لوضع نفسه شريكاً كاملاً في القرار التشريعي، وهو ما فاقم حالة الازدواج المؤسسي وأربك المشهد السياسي برمته.
وأضاف أن هذا الخلاف لم يعد نظرياً أو قانونياً فحسب، بل انعكس عملياً على مؤسسات الدولة الحساسة، وفي مقدمتها المناصب السيادية التي يفترض أن تشكل ركيزة الاستقرار وضمان التوازن بين الأقاليم الليبية.
مناصب سيادية بلا توافق
وأوضح العبيدي أن التفاهمات السياسية التي جرى التوصل إليها في بوزنيقة نصت بوضوح على توزيع المناصب السيادية السبعة بين الأقاليم التاريخية الثلاثة، بما يحقق قدراً من العدالة والتوازن الوطني. إلا أن هذا المسار، بحسب تعبيره، اصطدم منذ بداياته بعدم وجود إرادة حقيقية لدى بعض الأطراف لتنفيذه، وعلى رأسها مجلس الدولة الذي لجأ إلى سياسة التعطيل والمماطلة.
وأشار إلى أن هذا السلوك التراكمي قاد في نهاية المطاف إلى خطوات أحادية، كان أخطرها الإقدام على اختيار رئيس جديد للمفوضية العليا للانتخابات دون توافق أو تنسيق مع مجلس النواب، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تجاوزاً صريحاً للاختصاصات ومساساً مباشراً بجوهر العملية الانتخابية.
المفوضية في قلب الصراع
وقال العبيدي إن المفوضية العليا للانتخابات تعد من آخر المؤسسات الوطنية التي حافظت على قدر من المهنية والوحدة، رغم الانقسام العميق الذي أصاب مؤسسات الدولة الأخرى. وأوضح أن إدخال المفوضية في دائرة الصراع السياسي سيؤدي حتماً إلى تقويض الثقة في أي مسار انتخابي قادم، ويجعل الحديث عن انتخابات قريبة أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.
ولفت إلى أن التحذيرات الدولية من الإجراءات الأحادية تعكس إدراكاً لخطورة المرحلة، غير أن هذه التحذيرات، بحسب رأيه، تصطدم بإصرار قوى محلية على فرض أمر واقع يخدم بقاءها في السلطة، ولو كان الثمن هو نسف ما تبقى من أمل في الانتقال الديمقراطي.
انتخابات مؤجلة إلى أجل غير معلوم
وأكد العبيدي أن الشارع الليبي بات مقتنعاً بأن الانتخابات لا تلوح في الأفق القريب، وربما يتم دفعها إلى المجهول في ظل هذا الصراع المحتدم. وأشار إلى أن ما جرى في ملف المفوضية يمثل، بنظر كثير من الليبيين، إعلاناً غير مباشر عن اغتيال مشروع الانتخابات، وإغلاق باب التوافق الوطني الذي ظل هشاً منذ سنوات.
وأضاف أن الانقسام لم يعد سياسياً فقط، بل امتد ليشمل البنية الاقتصادية والنقدية، في مشهد يعكس خطورة الانزلاق نحو واقع دولتين ومؤسستين، لكل منهما أدواته ومرجعياته، وهو وضع يهدد وحدة البلاد وسيادتها.
نخبة تعرقل الاستحقاق
وأوضح العبيدي أن جوهر المشكلة يكمن في نخبة سياسية اعتادت إدارة المراحل الانتقالية لمصلحتها الخاصة، وتخشى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. وقال إن هذه النخبة تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة هي تعطيل الانتخابات، بينما تتباين مواقفها في كل ما عدا ذلك، مشيراً إلى أن عرقلة المسار الانتخابي لم تعد تتم بصمت، بل عبر مواقف معلنة وتهديدات صريحة.
وأضاف أن بروز دعوات المقاطعة أو منع الانتخابات بالقوة يعكس حجم القلق لدى بعض التيارات من نتائج أي استحقاق شعبي، خاصة بعد تراجع حضورها الاجتماعي والسياسي، ما دفعها، وفق تعبيره، إلى البحث عن ضمانات بديلة داخل المؤسسات.
تداعيات على السيادة الوطنية
وحذر العبيدي من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى ما هو أخطر من ضياع المناصب السيادية، وهو تآكل سيادة الدولة نفسها. وأشار إلى أن الارتهان للخارج، والاستقواء بعواصم إقليمية ودولية، بات سمة واضحة في إدارة الخلافات الداخلية، ما يجعل القرار الوطني عرضة للتجاذبات والمصالح المتناقضة.
وختم بالقول إن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما العودة إلى منطق التوافق واحترام الاختصاصات، أو الانزلاق نحو مزيد من الانقسام الذي قد يعصف بما تبقى من الدولة، مؤكداً أن إنقاذ المسار الانتخابي يبدأ أولاً بإنهاء الإجراءات الأحادية وإعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية.



