صراع المصالح يفاقم أزمات المعيشة.. والمواطن وحده يدفع فاتورة الفوضى
صراع المصالح يعمق أزمة المعيشة.. والمواطن يدفع الثمن
ليبيا 24
النقاش الاقتصادي الليبي: صراع النظريات وواقع الريع
جدلية المنافسة والاحتكار.. صراع فلسفي يعكس أزمة الدولة
في منشورات متتالية عبر منصة فيسبوك، فتح أساتذة الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري والدكتور أيوب الفارسي، نافذة أكاديمية على أعمق إشكاليات السوق الليبي، في نقاش تجاوز حدود التنظير الأكاديمي ليلامس الواقع المعاش للمواطن الليبي الذي أنهكته سنوات الانقسام وتضخم الأسعار وشح السيولة.
طرح الدكتور الفيتوري رؤية فلسفية حول المنافسة، معتبراً أنها قيمة نسبية يختلف تقييمها بحسب موقع الفرد من السوق؛ فالمشتري يرحب بها لأنها تكبح جماح الأسعار، بينما البائع يسعى للتحرر من قيودها لتعظيم أرباحه. وأشار إلى أن المنافسة الشديدة قد تؤدي في نهايتها إلى الاحتكار، أي سيطرة وحدة أو عدة وحدات على السوق، سواء كانت بائعة أو مشترية.
ولم يغفل الفيتوري الإشارة إلى أن الدول تلجأ أحياناً إلى منع الاندماجات بين المصارف أو شركات التأمين أو النقل الجوي إذا كانت تؤدي إلى الاحتكار، في محاولة للحفاظ على التوازن.
لكنه عاد ليقر بأن “الوضع التنافسي هو الأفضل للجميع، فلا توجد سيطرة لطرف على الطرف الآخر، ولكن هذا قد لا يرضي الجميع، فسيظل هناك أشخاص في هذا العالم يحاولون الخروج على وضع المنافسة وبعضهم غالباً ما ينجح في ذلك”.
الرد الأكاديمي.. المنافسة تحمل بذور فنائها
لم ينتظر الدكتور أيوب الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي، طويلاً ليرد على زميله، مؤكداً أن “الإنسان سواء كان فرداً أو مؤسسة أو دولة، لا يحب المنافسة لذاتها، بل يحب نتائجها عندما تصب في مصلحته”.
وأضاف الفارسي في تعليقه أن “المنافسة تحمل في طياتها بذور فنائها، فالتنافس الأشد يؤدي بالضرورة إلى غلبة طرف على آخر، ومن ثم السعي الطبيعي نحو الاحتكار. السيطرة المطلقة هي الغاية المضمرة لكل كيان قوي يملك أدوات الهيمنة”.
وأشار الفارسي إلى ضرورة وجود “سلطة مُحيطة” ممثلة بالدولة لفرض قواعد التنافس ومنع الاحتكار، “لأن ترك السوق لمنطق القوة المطلقة ينتهي دائماً بسيادة الطرف الأقوى وتهميش البقية”.
وهي إشارة واضحة إلى غياب دور الدولة الرقابي في ليبيا، حيث الانقسام المؤسسي جعل من المستحيل تطبيق أي سياسات لحماية المنافسة أو الحد من الاحتكار.
السعر العادل بين النظرية والتطبيق.. والفجوة تتسع
في تعقيب لاحق، عاد الفيتوري ليوضح الفرق بين “السعر التوازني” و”السعر العادل”، مشيراً إلى أن الأول قد يحدث حتى في وضع الاحتكار عندما يتساوى العرض مع الطلب، بينما الثاني “هو السعر الذي يتساوى فيه السعر مع التكلفة، أي التكلفة الحدية، حيث ينتفي هنا الوضع الاحتكاري سواء من جهة العرض أو الطلب”.
وهو تمييز نظري يجد صعوبة في التطبيق في سوق ليبي تعصف به التشوهات.
شاهد على الاحتكار.. التجار الصغار يدفعون الثمن
لم يقف النقاش عند الحد النظري، بل امتد إلى الواقع الملموس بتدخل الخبير الاقتصادي إدريس الشريف، الذي روى شهادات حية عن ممارسات احتكارية شهدها السوق الليبي.
كتب الشريف: “للأسف.. التجار الذين صدعوا رؤوسنا بالمنافسة، نعرف منهم من طردوا تجاراً صغاراً من السوق، وذلك بعرض بضاعة أقل من تكلفتها، ما أدى إلى خسارة التجار الصغار وإخراجهم تماماً من السوق. هناك وقائع موثقة يعرفها أهل السوق في بضائع معينة يحتكرها أحدهم”.
وهذه الشهادة تضع الإصبع على جرح الاقتصاد الليبي، حيث تحولت المنافسة، في غياب الرقابة، إلى أداة للقضاء على المنافسين، وتكريس هيمنة كبار المستوردين والتجار على مفاصل السوق، في مشهد يعكس بدقة ما حذّر منه الأكاديميون.
تشخيص أعمق.. النفط ليس المرض
وفي سياق متصل، أصدر الدكتور أيوب الفارسي تصريحاً أكثر اتساعاً، شخّص فيه الأزمة الاقتصادية الليبية بأنها نموذج لـ”تحول الاعتماد المفرط على النفط إلى أزمة مالية مركبة”، مشيراً إلى أن “غياب التنويع الاقتصادي والتشرذم السياسي يضعان المواطن في مأزق حقيقي”.
وأوضح أن هذا الاعتماد أوجد اختلالات هيكلية عميقة، منها تهميش القطاعات الإنتاجية، وتضخم الجهاز الإداري، والاعتماد على الاستيراد لتغطية أغلب السلع الاستهلاكية.
وأكد الفارسي أن “الانقسام فاقم الوضع الاقتصادي، وأنشأ مالية عامة متوازية، وإنفاقاً استهلاكياً مفرطاً للأطراف المتنافسة، فارتفع بندا المرتبات والدعم لمستويات غير مسبوقة”.
وأشار إلى أن تكرار إغلاق النفط وتراجع الإيرادات دفع السلطات المالية للتمويل بالعجز والتوسع في الدين العام، ما أغرق السوق في “كتل نقدية لا تقابلها أي زيادة إنتاج”.
وتحدث الفارسي عن تداعيات هذا التدهور على المصرف المركزي، الذي وجد نفسه في “موقف معقد، وأجبر على اتخاذ قرارات اضطرارية لحماية الاحتياطيات، فتآكلت قيمة الدينار، وشحّت السيولة، وانعدمت الثقة، وشُلّت أدوات التنمية، فتحولت السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية”.
رجل الأعمال يضيف.. النفط وسيلة وليس سبباً
لكن رجل الأعمال حسني بي، كان له رأي مغاير في ترتيب الأسباب والنتائج، حيث اتفق مع الفارسي في تشخيص التوسع في الإنفاق دون نمو مقابل في الإنتاج، والانقسام المالي، وتعدد مراكز الإنفاق، لكنه قدم ملاحظتين جوهرية.
أولاهما: “النفط ليس المشكلة، بل طريقة إدارة ريع النفط”. وأشار إلى وجود دول تعتمد بدرجات متفاوتة على النفط والغاز، لكنها استطاعت تحويل الريع إلى أصول وبنية تحتية وصناديق واستثمارات واقتصاد أكثر إنتاجية.
أما المشكلة الليبية، حسب قوله، فهي أن “نحصل على الجزء الساحق من موارد الدولة بالدولار من النفط والغاز، ثم نحولها إلى دينار، ونستخدم جانباً كبيراً منها في تمويل نموذج إنفاق واستهلاك دائم”.
وثانيتهما: الدقة في تحديد العلاقة بين قرارات المركزي وتراجع الدينار. فرأى أن “السياسة المالية تنفق وتضخ الدينار، ثم نطلب من السياسة النقدية أن تحافظ في الوقت نفسه على سعره، وتوفر الدولار، وتحمي الاحتياطيات، وتكبح التضخم. لا يستطيع أي مصرف مركزي أن يحقق ذلك إلى ما لا نهاية إذا استمرت السياسة المالية في الاتجاه المعاكس”.
الإصلاح المطلوب.. من توزيع الريع إلى خلق القيمة
وخلص رجل الأعمال إلى أن “توحيد الإنفاق وحده لا يكفي، قد نوحد الميزانية ونظل ننفق أكثر مما يستطيع الاقتصاد تحمله. المطلوب هو توحيد الإنفاق وضبط حجمه ونوعيته معاً”. ودعا إلى إصلاح بنية الدعم، مقترحاً تحويل “دعم السلعة إلى دعم نقدي مباشر للمواطن، ثم إصلاح الأسعار تدريجياً، بحيث ينتهي الدعم في مرحلة لاحقة إلى شبكة حماية تستهدف الفئات الهشة فعلاً، وبذلك نحمي المواطن ونزيل في الوقت نفسه جزءاً من الحافز على الهدر والتهريب”.
كما حذّر من خطورة اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، معتبراً أنها تخلق “ريعاً” للمضاربين، وتولد طلباً إضافياً على النقد الأجنبي. وختم بدعوة إلى الانتقال من “اقتصاد توزيع الريع إلى اقتصاد خلق القيمة”، مشيراً إلى أن “الاقتصاد لا يصبح متنوعاً لمجرد وجود زراعة وصناعة وسياحة إلى جانب النفط، بل يصبح متنوعاً عندما تنتج هذه القطاعات قيمة مضافة حقيقية، وتوظف، وتصدر، وتدفع الضرائب، وتحصل على تمويل مصرفي، وتستطيع الاستمرار دون الاعتماد الدائم على الخزانة العامة”.
خلاصة المشهد.. معادلة الخلل
يمكن تلخيص جوهر النقاش الاقتصادي الليبي في معادلة واحدة، كما صاغها حسني بي: “النفط ليس المرض، والدينار ليس المرض، والسوق الموازية ليست المرض. المرض هو منظومة تجعل الإنفاق وخلق النقود وتوزيع الريع ينمون أسرع من الإنتاج وخلق القيمة”.
وهذه المعادلة تضع الإصبع على الجرح الحقيقي للاقتصاد الليبي، حيث تحولت مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المصرف المركزي، إلى أداة لإدارة أزمة يومية، بدلاً من أن تكون محركاً للتنمية والاستقرار، في وقت يدفع فيه المواطن الليبي، في طرابلس وبنغازي والجنوب، الثمن غالياً من خلال تآكل قيمة مدخراته، وارتفاع الأسعار، وشح السيولة، وانهيار الخدمات الأساسية.



