الاقتصاد الليبي أمام اختبار الاستقرار وارتفاع كلفة المعيشة
سعر الصرف والإنفاق العام في صدارة الاختلالات الاقتصادية

حذّر رجل الأعمال حسني بي من التعامل مع الاقتصاد الليبي بمنطق العودة إلى ما قبل الأزمات، مؤكداً أن الاستقرار الاقتصادي يجب أن ينطلق من الواقع القائم، لا من محاولة إعادة عقارب الاقتصاد إلى الوراء.
وقال بي إن الاقتصاد الليبي ليس شريط سينما يمكن إرجاعه للخلف، مشيراً إلى أن معالجة الاختلالات تتطلب التعامل مع الوضع الاقتصادي كما هو، ووضع سياسات تستهدف تحقيق الاستقرار المالي والنقدي بدلاً من الاستمرار في معالجة الأزمات بصورة مؤقتة.
ويرى بي أن جوهر الأزمة الاقتصادية يتمثل في وجود موازنة عامة رسمية وأخرى غير رسمية، يغلب على الإنفاق فيهما الطابع الاستهلاكي، بينما تستحوذ المرتبات ودعم المحروقات على جانب كبير من الموارد العامة.
وأضاف أن سعر الصرف الإداري يمثل أحد مصادر التشوه الاقتصادي، باعتباره يفتح المجال أمام الريع والمضاربة، ويسهم في نقل الثروة من المجتمع إلى الفئات الأكثر قدرة على الوصول إلى الامتيازات.
الإنفاق والدعم السعري يضغطان على السوق
وبحسب بي، فإن الواقع الاقتصادي والمعيشي الراهن هو نتيجة مباشرة لثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في الإنفاق العام، وسعر الصرف الإداري، والدعم السعري للسلع بدلاً من توجيه الدعم نقدياً إلى المواطن.
وأشار إلى أن التركيز على قيمة الدولار، سواء عند مستويات 1.400 أو 4.500 أو 6.350 أو 10.000 دينار، لا يمثل جوهر المشكلة بحد ذاته، بقدر ما ترتبط القضية بتحقيق معادلة متوازنة داخل الموازنة العامة.
وتكشف هذه الرؤية عن إشكالية أوسع تتعلق بغياب معالجة جذرية لاختلالات الاقتصاد الليبي، إذ إن تغيير سعر الصرف وحده لا يمكن أن يحقق استقراراً مستداماً إذا ظل الإنفاق العام مرتفعاً، واستمرت آليات الدعم الحالية، وبقي الاقتصاد معتمداً بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية.
مستلزمات المدارس تتحول إلى عبء إضافي على الأسر
وفي السياق المعيشي، تحدث أحمد الكردي، رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك في ليبيا، عن الارتفاع الملحوظ في أسعار مستلزمات المدارس مع اقتراب العام الدراسي، معتبراً أن موجة الغلاء طالت مختلف السلع وأصبحت تشكل ضغطاً إضافياً على الأسر.
وأوضح الكردي أن ارتفاع تكاليف النقل والمواصلات ونقص مادة الديزل يمثلان من أبرز العوامل التي ساهمت في دفع أسعار السلع المدرسية إلى مستويات مرتفعة، مشيراً إلى أن تداعيات أزمة الوقود لا تتوقف عند قطاع النقل، وإنما تمتد إلى أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك.
فجوة الوقود تنعكس على أسعار السلع
وقال الكردي إن عدم توافر الوقود بصورة كافية يدفع أصحاب المركبات ووسائل النقل إلى البحث عنه في السوق الموازية، حيث يتراوح سعر لتر الديزل، وفقاً لما ذكره، بين 8 و10 دنانير، مقابل 15 قرشاً في السعر الرسمي.
وأوضح أن الفارق الكبير بين السعرين يرفع تكلفة نقل البضائع من مناطق الإنتاج أو الاستيراد إلى الأسواق، لتنتقل الزيادة في نهاية المطاف إلى المستهلك عبر أسعار السلع.
وأضاف أن التجار يحمّلون تكلفة النقل المرتفعة على أسعار الحقائب والملابس والقرطاسية وغيرها من المستلزمات المدرسية، ما يزيد الأعباء المالية على الأسر بالتزامن مع بداية موسم دراسي جديد.
اقتصاد يواجه اختلالات متداخلة
وتعكس تصريحات بي والكردي أن الأزمة الاقتصادية الليبية لا تنحصر في سعر الصرف أو ارتفاع أسعار سلعة بعينها، وإنما ترتبط بمنظومة متداخلة من الاختلالات تبدأ من المالية العامة والدعم وسوق الصرف، وتمتد إلى النقل والوقود والأسعار.
وبينما تفرض معالجة هذه الاختلالات إعادة النظر في هيكل الإنفاق وآليات الدعم والسياسات النقدية، فإن استمرار الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية يظل عاملاً ضاغطاً على السوق والمستهلك.
ومن ثم، فإن تحقيق الاستقرار لا يبدو مرتبطاً فقط بتحديد سعر صرف جديد، بل بقدرة السياسات الاقتصادية على معالجة أسباب التشوهات من جذورها، وضبط الإنفاق، وتحسين كفاءة الدعم، وضمان وصول الموارد إلى المواطنين بعيداً عن مسارات الريع والمضاربة



