تحالف نقابات شركات قطاع الاتصالات يحذر من “تفريط خطير بالسيادة” بعد توقيع اتفاقية خدمات نفطية مع شركة خاصة
موظفو الاتصالات يحذرون من كارثة اقتصادية وأمنية وشيكة
ليبيا 24
نقابات الاتصالات: تفريط بالسيادة الليبية لصالح شركة خاصة
في تطور يعكس تصاعد التوتر بين مؤسسات الدولة الليبية ومحاولات تغلغل القطاع الخاص في البنى التحتية الاستراتيجية، فجر تحالف نقابات شركات قطاع الاتصالات في ليبيا قنبلة سياسية واقتصادية مدوية. ففي بيان رسمي شديد اللهجة صدر السبت وحمل الرقم (6)، أعلن آلاف العاملين في القطاع رفضهم القاطع واستنكارهم البالغ لما أسموه “اتفاقية التفريط بالسيادة”، والمتعلقة بمنح شركة “روافد” الخاصة حق تقديم خدمات الاتصالات للحقول والموارد النفطية. البيان، الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية تسعى فيه الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة إلى ترسيخ الاستقرار الاقتصادي، يكشف عن شرخ عميق في آليات إدارة الأصول السيادية، ويضع ملف “رقمنة النفط” على طاولة النائب العام والأجهزة الرقابية.

حكم قضائي ضد التغول الخاص: السياق القانوني للأزمة
يستند تحالف النقابات في رفضه إلى سند قانوني وصفه بـ”الحاسم”. فبحسب ما ورد في البيان، الذي تحصلت ليبيا 24 على نسخة منه فإن أحقية قطاع الاتصالات الحكومي في إدارة هذه المنظومة الحيوية قد تم تثبيتها قضائياً عبر أحكام صادرة في سبع قضايا منفصلة لصالح القطاع. هذه الأحكام ألغت عقوداً سابقة كانت تمنح امتيازات مشابهة لجهات خاصة، وأعادت التأكيد على أن البنية التحتية للاتصالات في المنشآت النفطية هي امتداد طبيعي لسيادة الدولة ولا يجوز التنازل عنها. البيان اتهم ضمنياً رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للاتصالات بتجاوز هذه الأحكام وتجاهل توجيهات رسمية صادرة عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية بصفته رئيس الجمعية العمومية للقطاع، والتي نصت على “إرجاع الحقوق والعائدات إلى قطاع الاتصالات والدولة الليبية”. هذا التضارب بين القرارات القضائية والتنفيذية يثير تساؤلات جدية حول من يدير فعلياً ملف الاتصالات السيادية في ليبيا.
بين النفط والإنترنت: معادلة التكلفة والمخاطر الأمنية
بعيداً عن الجدل القانوني، يرسم خبراء الاقتصاد صورة قاتمة للعواقب المالية لهذه الصفقة. التحالف حذر من ثلاثة محاور رئيسية: الأول، الارتفاع الحتمي في أسعار خدمات الاتصالات للمواطن الليبي نتيجة تفكيك منظومة القطاع العام الموحدة وإحلال نموذج ربحي خاص محل الخدمة الوطنية. والثاني، والأكثر إيلاماً للخزينة العامة، هو التأثير المباشر على تكلفة إنتاج برميل النفط الليبي. فمع إسناد إدارة شبكات الاتصالات في الحقول لشركة خاصة، ستضاف هوامش ربحية جديدة إلى تكلفة التشغيل، مما ينعكس سلباً على صافي عائدات الدولة من النفط في وقت تحتاج فيه البلاد لكل دينار. أما المحور الثالث فهو “إهدار المال العام”، حيث يؤكد العاملون أن القطاع أنفق مبالغ طائلة خلال السنوات الماضية لتجهيز البنية التحتية لاستعادة هذه الخدمات من المقاولين السابقين، ليجد نفسه الآن أمام عملية تفريغ للمحتوى لصالح طرف خاص جديد.

“ممرات البيانات”: الكابوس السيبراني للحقول النفطية
فيما يتعلق ببعد الأمن القومي، يستخدم البيان لهجة تحذيرية تليق بمراكز الأبحاث الاستراتيجية. إدارة ممرات البيانات المرتبطة بالقطاع النفطي من قبل جهة خاصة، مهما كانت كفاءتها، تمثل “خطراً على أمن المعلومات والسيادة الرقمية” وفقاً للبيان. في عصر تتحول فيه الهجمات السيبرانية إلى أدوات في الصراعات الجيوسياسية، يعد إسناد إدارة شبكة الاتصالات التي تربط بين آبار النفط وغرف التحكم المركزية لشركة خارج مظلة الأمن السيبراني الحكومي المباشر ثغرة استراتيجية قد تكون عواقبها وخيمة. السؤال المطروح بقوة داخل أروقة قطاع الاتصالات: هل من الحكمة تعريض “جهاز الدورة الدموية” للاقتصاد الليبي لاختبارات أمنية غير مضمونة العواقب؟
60 ألف أسرة تترقب: البعد الاجتماعي للقرار
لم يغفل تحالف النقابات البعد الاجتماعي والإنساني في بيانه، حيث ذكّر بأن استقرار قطاع الاتصالات لا يعني مجرد أرقام في الميزانية، بل هو شريان حياة لأكثر من 60 ألف أسرة ليبية تعتمد على هذا القطاع. البيان يحمل تهديداً مبطناً بالتصعيد في إطار “قانوني وسلمي”، مع تحميل الجهات المعنية مسؤولية أي إجراءات تعسفية قد تطال الموظفين الرافضين لهذه التوجهات. وفي خطوة تعكس وحدة الصف الداخلي، وقّع على البيان ممثلو كبرى شركات القطاع العام (ليبيانا، الجيل الجديد، ليبيا للاتصالات والتقنية، البنية، بريد ليبيا، وهاتف ليبيا).

دعم سيادة الدولة في مواجهة الارتجال
إن ما كشف عنه تحالف نقابات الاتصالات ليس مجرد خلاف إداري حول عقد خدمة، بل هو اختبار حقيقي لإرادة مؤسسات الدولة الليبية في الحفاظ على سيادتها الاقتصادية. مطالبة البيان بتدخل النائب العام لفتح تحقيق عاجل هي دعوة لتغليب سلطة القانون وإنفاذ الأحكام القضائية النهائية. فتعزيز دور الحكومة في هذه اللحظة الفارقة يتطلب وقفة حازمة ضد أي محاولة لتفريغ مؤسسات الدولة من مهامها الجوهرية لصالح نفوذ خاص غير شفاف، خاصة في قطاع حيوي يرتبط بأمن الطاقة العالمي واستقرار المواطن الليبي. الرسالة التي خرجت من طرابلس اليوم واضحة: التفريط في البنية التحتية للاتصالات هو تفريط في السيادة ذاتها.



