“الجيش الأبيض” ينتفض: اعتصام تاريخي يزلزل عرش الدبيبة وفضيحة “الاستعانة بالأجانب” تفجّر الغضب

ليبيا 24
“من عنق الطبيب إلى كرسي الوزير.. “ليبيا 24” تكشف خفايا معركة الكرامة بين “الجيش الأبيض” وحكومة الدبيبة
حين يُصفع الطبيب بالبندقية ويموت المريض بالواسطة.. ليبيا تحترق في صمت في طرابلس، حيث تُباع الأوطان في مزادات النفوذ، وتُصفّى الحسابات على أرصفة المقرات الحكومية، كان مشهداً يفوق كل حوادث التاريخ المعاصر أن يمدّ فرد أمن يده إلى عنق طبيب يرتدي معطفه الأبيض، لا ليعتقل مجرماً، بل ليخنق صوتاً خرج يطالب بكرامته. لم يكن هذا المشهد العابر مجرد خطأ أمني، بل كان المرآة التي انكسرت أمام أعين الليبيين جميعاً، لتكشف الوجه الحقيقي لحكومة “منتهية الولاية” التي تحاول يائسة أن تُخفي عجزها بالصمت، وتُغطي فشلها بالقوة.
مشهد يختصر المأساة: من عنق الطبيب إلى عجز الحكومة
في وقفة سلمية أمام مقر مجلس الوزراء، كان الأطباء قد أعلنوا مسبقاً عن مكانها وزمانها ومطالبها. خرجوا بأوراقهم المعلنة، ومعاطفهم البيضاء، وقلوبهم المثقلة بسنوات من الانتظار. لم يحملوا سلاحاً، ولم يرفعوا شعاراً طائفياً أو جهوياً. كان مطلبهم الوحيد هو حقهم في حياة كريمة. لكن الرد جاء بصورة لم يجرؤ أي نظام على إظهارها بهذه الوقاحة: يد تمتد لتخنق طبيباً أعزل أمام كاميرات العالم.
هذا الاعتداء الآثم لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كان رسالة واضحة من حكومة الدبيبة بأن صوت الطبيب الليبي لا قيمة له، وأن من حق المواطن أن يموت منتظراً، وليس من حقه أن يرفع صوته مطالباً بالعلاج.
حكومة “منتهية الولاية”.. بين الاستعانة بالأجانب وإنكار الواقع
في الوقت الذي كان فيه هؤلاء الأطباء يقدمون التضحيات الجسام، كانت حكومة الدبيبة تسعى جاهدة لاستقدام كوادر طبية أجنبية برواتب تتراوح بين 2000 و3200 دولار شهرياً، في حين لا يتجاوز راتب الطبيب الليبي 200 دولار. هذا التناقض الصارخ لم يكن مجرد خطأ في تقدير الأولويات، بل كان إعلان حرب مبطنة على الكفاءات الوطنية. الطبيب الليبي الذي أمضى سبع سنوات في الدراسة، وسهر الليالي في المناوبات، ويواجه الموت في غرف الطوارئ، يُترك ليتدبر أمره في “وطن” يفضل جلب الغرباء بالدولار على الإنفاق على أبنائه. هذا القرار المشبوه، الذي كُشف النقاب عنه، أثار موجة غضب عارمة في الشارع الليبي، ودفع النقابات إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين.
ماذا يفعل وزير الصحة؟
رحلات سياحية بينما الجيش الأبيض يحتضرفي خضم هذه الأزمة، تتساءل الأصوات العاقلة: أين هو وزير الصحة؟ يبدو أن الوزير المكلف، بدلاً من أن يكون في قلب المعركة لإنقاذ القطاع الصحي، يبدو وكأنه يغرد خارج السرب، متنقلاً بين اليابان وتونس والمغرب وإيطاليا، بينما يصرخ الأطباء من تحت الأنقاض. هذه الرحلات المشبوهة، التي تتزامن مع لحظات حرجة يمر بها القطاع، تكشف عن خلل عميق في منظومة الحكم. لم يعد السؤال “لماذا لا يعود الأطباء الليبيون من الخارج؟”، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: “لماذا يبقى هؤلاء المسؤولون في مناصبهم بينما ينهار كل شيء من حولهم؟”.غطرسة الدبيبة تهدد بمحرقة وطنيةما يزيد الأمر سوءاً هو التعامل المستفز من قبل رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، مع هذه الاحتجاجات. فبدلاً من فتح حوار جاد، يُنقل عن مقربين منه تهديدات مبطنة باستبدال الأطباء بأجانب، أو إغلاق العيادات بالقوة. هذه الغطرسة، التي يصفها المراقبون بأنها “هستيريا وفصل عن الواقع”، تتعامل مع أي معارضة بالتهديد والوعيد. الطبيب الليبي الذي يريد فقط أن يعيش بكرامة، وحق المريض في العلاج، لا يحتاج إلى من “يحكمه” بالسلاح أو “يهدده” بالبندقية.
الاعتداء على الأطباء جريمة يُعاقب عليها القانونيُعد الاعتداء الذي تعرض له الأطباء انتهاكاً صارخاً للقانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل، الذي يحمي العامل من إنهاء علاقته أو التضييق عليه بسبب انتمائه النقابي أو مشاركته في النشاط النقابي. كما أن الدستور الليبي المؤقت يكفل الحق في التعبير السلمي. هذا الاعتداء الذي قام به فرد أمن – من المفترض أن وظيفته حماية المحتجين – يمثل جريمة يعاقب عليها القانون، ويجب أن يُحاسب مرتكبها، مهما كان نفوذه أو انتماؤه.
الطبيب يُشجب.. والمريض يُهمل
في خضم كل هذه الصراعات، يبقى المواطن الليبي المريض هو الضحية الأكبر. فبينما يتصارع الأطباء على لقمة العيش، وتتصارع الحكومة على الكراسي، تبقى المستشفيات غارقة في ظلامها، وتفتقر إلى أبسط الإمكانيات. هذا الوضع المأساوي يطرح سؤالاً مؤلماً: كيف يمكن لمريض أن يجد الدواء أو العلاج، بينما الطبيب الذي يفترض أن يعالجه يقاتل من أجل البقاء؟ الإجابة بسيطة: لا يمكن.
ومن هنا تأتي أهمية المطالبة الملحة بإصلاح جذري للقطاع الصحي، لا يقتصر على تحسين الأجور، بل يمتد ليشمل توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وتفعيل التأمين الصحي، وإعادة هيكلة المنظومة بالكامل.
من منصات التواصل.. غضب الشارع يصل إلى كل بيتلم يعد غضب الشارع الليبي مقتصراً على الوقفات الاحتجاجية، بل امتد ليصل إلى كل بيت عبر منصات التواصل الاجتماعي. فيسبوك وتويتر وتيك توك تحولت إلى منابر مفتوحة، يدين فيها الليبيون ما وصفوه بـ”الخيانة الكبرى” للقطاع الصحي. صفحات الأطباء والناشطين تفيض بالمنشورات التي تندد بـ”حكومة المافيا” و”وكلاء الفساد”. هذا الغضب الشعبي العارم يشكل ضغطاً حقيقياً على الحكومة، ويجعل من الواضح أن الوقت قد حان للاستماع إلى صوت الشارع، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة.
هجرة الكفاءات.. محرقة وطنية تُدبر بليلإن
ما يحدث اليوم من هجرة للكفاءات الطبية ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو محرقة وطنية تُدبر بليل. الأطباء الذين يهاجرون إلى الخليج وأوروبا وكندا، ليسوا مجرد أرقام، بل هم أعضاء في النسيج الاجتماعي الليبي، يحملون معهم سنوات من الخبرة والتدريب، التي كلفت الدولة ملايين الدنانير. استمرار هذا النزيف يعني أن مستقبل الصحة في ليبيا سيكون مظلماً لعقود قادمة.
ومن يتباهى بالقوة أمام مواطن أعزل، ويصفه بـ”العدو” لمجرد أنه طالب بحقه، لديه مشكلة في فهم معنى الدولة.”لا للصفع.. نعم للكرامة”إن ما يحدث في ليبيا اليوم ليس مجرد أزمة صحة، بل هو أزمة كرامة وطنية. الطبيب الذي يُصفع على وجهه، والمريض الذي يموت على أبواب المستشفيات، والشاب الذي يحلم بمستقبل في وطنه ثم يهاجر، هم جميعاً ضحايا لمنظومة فاسدة وعقيمة.
إن الحل يبدأ بالاعتراف بالخطأ، والاستماع إلى صوت العقل، وإعطاء الأطباء حقوقهم، وفتح ملفات الفساد في قطاع الصحة. ليبيا لن تنهض بعدد البنادق الموجودة فيها، بل ستنهض عندما يصبح عقل الطبيب أثمن من البندقية، وكرامة المعلم أعلى من نفوذ المسلح، والقانون أقوى من الجميع.