غير مصنف

أبوعميد: رفع الدعم الآن يضاعف الأعباء المعيشية ويغذي الفساد

ليبيا 24

تحذيرات أبوعميد من رفع دعم الوقود تفتح ملف الفساد الممتد من الموانئ إلى المحطات

وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتكرار الحديث عن ضرورة إصلاح منظومة الدعم في ليبيا، خرج المرشح الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى لورشفانة الأسبق، الدكتور مبروك محمد أبوعميد، بموقف تحذيري واضح من مغبة الإقدام على رفع الدعم عن الوقود في التوقيت الراهن، رابطاً بين خطورة الخطوة وتفشي الفساد في عمق الدولة، وداعياً إلى تفعيل آليات رقابية محكمة قبل أي تحريك للأسعار.

الموقف ليس مجرد تصريح عابر، بل يشق طريقاً في نقاش يمزج بين الاقتصاد السياسي وهشاشة البنى المؤسسية، ويكشف عن قناعة بأن فساد التوريد والتهريب يقوضان أي فرصة لإصلاح حقيقي.

تشريح فساد الوقود: من رصيف الميناء إلى عرض البحر

يحدد أبوعميد نقطة الانطلاق الجوهرية للمشكلة بقوله إن «الفساد الحقيقي يبدأ من المسؤولين عن عقود توريد الوقود حتى وصوله إلى الموانئ وخزانات التوزيع»، مستنداً إلى معطيات يفهمها العاملون في قطاع الطاقة أنفسهم، لكنها نادراً ما تُقال بهذا الوضوح في المجال العام.

ويذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن التهريب الأكبر لا يحدث عبر الحدود البرية، بل «في عرض البحر»، وهنا يستند إلى تقارير أممية كانت قد وثقت اختفاء كميات كبيرة من المشتقات النفطية بين لحظة الشحن وبلوغ الموانئ الليبية.

هذا التوصيف ينقل النقاش من الصورة النمطية عن سيارات الدفع الرباعي المحملة بالوقود نحو الحدود، إلى شبكة معقدة تبدأ من مكاتب إدارية وصفقات دولية، وهو ما يجعل فكرة رفع الدعم مجرد وسيلة لنقل الأموال من جيب المواطن إلى خزائن شبكات منظمة قديمة العهد بآليات الالتفاف على القانون.

تفعيل المنظومة الرقابية: الورقة المنسية قبل رفع الدعم

يقدم أبوعميد وصفة رقابية عملية، ملخصها «تفعيل منظومة مراقبة إلكترونية تبدأ من لحظة وصول البواخر إلى الأراضي الليبية إلى أن يصل الوقود للمحطة»، بما في ذلك مراقبة المحطات بالكاميرات ومتابعتها عبر الأجهزة الرقابية المختلفة. هذا الطرح يحمل بعداً سياسياً إدارياً أبعد من الجانب التقني، فهو يفترض وجود إرادة سياسية حقيقية لفرض الشفافية على قطاع ظل لعقود غرفة مظلمة لكثير من الصفقات.

ويذكّر في السياق ذاته بأن الأعداد الكبيرة من عناصر الجمارك وحرس الحدود والشرطة وجهاز مكافحة التهريب وغيرها من الأجهزة الأمنية والرقابية «قادرة على منع التهريب عبر الحدود البرية إذا ما صدقت النوايا فعلاً»، وهي جملة تختصر تشخيصاً مفاده أن الأزمة ليست في نقص الموارد البشرية أو الأدوات، بل في خلل الإرادة وهيكلة الحوافز داخل الأجهزة.

رفع الدعم في غياب المؤسسات: من التهريب غير القانوني إلى النهب القانوني

الجزء الأكثر إثارة في تحذيرات أبوعميد يتعلق بما يمكن وصفه بسيناريو «النهب القانوني». فهو يرى أنه طالما أن تهريب الوقود اليوم غير قانوني لكنه مستمر، فإن إصدار قانون أو قرار برفع الدعم سينقل الأموال إلى خزينة الدولة «ونهبها من جديد تحت مظلة القانون دون أن يستفيد المواطن منها».

ويعزز حجته بالإشارة إلى سوابق موثقة من قبل الأجهزة الرقابية نفسها، مثل واقعة «تريلون ومليار دينار» التي جرى الحديث عنها، وكما «تم نهب قيمة رفع الدعم عن السلع التموينية والأساسية» في حقب سابقة.

هذه القراءة تلامس هاجساً ليبياً عميقاً: الخوف من أن تتحول قرارات الإصلاح الاقتصادي، في غياب مؤسسات قادرة على حماية المال العام، إلى آلية لتوزيع الريع على مراكز نفوذ جديدة بدلاً من توجيهه إلى الخدمات والبنية التحتية.

الأثر الاجتماعي: من غات إلى الكفرة… تضخم الأسعار يضرب الأطراف

لا يكتفي أبوعميد بالبعد الاقتصادي الكلي، بل ينزل إلى أرض الواقع الاجتماعي محذراً من أن أي قرار متسرع برفع الدعم سيكون له «آثار سيئة جداً على الاستقرار والأمن العام».
ويضرب مثالاً برحلة سلعة بسيطة: «لك أن تتصور كم سيكون سعر حليب الأطفال والمواد الغذائية في غات والكفرة بعد تحميل قيمة النقل». وهنا تتجلى المعضلة الليبية المركبة؛ فالبلاد تفتقر إلى وسائل نقل عام حديثة وسكة حديد وبنية تحتية لوجستية، ما يجعل تكلفة نقل البضائع بين المدن مرتفعة أصلاً، وأي زيادة في سعر الوقود ستُضخّم هذه التكلفة بشكل متسلسل يتحمله المواطن في النهاية عبر أسعار السلع والخدمات.

ويذكّر أبوعميد بأن وسائل النقل العام المنعدمة أصلاً سترتفع أسعارها، وكذلك النقل الخاص، وهو ما يعني أن شريحة واسعة من الليبيين، وخصوصاً في المناطق البعيدة عن مراكز الإنتاج، ستواجه ضغوطاً معيشية إضافية تفوق قدرتها على التحمل.

بين الدراسة والتسرع: إصلاح بلا صدمة أم صدمة بلا إصلاح؟

يمثل خطاب أبوعميد في جوهره دعوة إلى تسلسل منطقي في الإصلاح: «وحدوا مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وأجهزتها المختلفة ثم فكروا في رفع الدعم». هذه العبارة، التي قد يراها البعض سياسية بامتياز، تعبر عن فهم عميق لطبيعة الدولة الليبية التي طالما عجزت عن احتكار أدوات الضبط والرقابة، وبالتالي لا تملك رفاهية استخدام أداة «رفع الدعم» دون أن تؤدي إلى فوضى اجتماعية واستفحال للاقتصاد الموازي غير المنضبط.

ولا يرفض أبوعميد مبدأ الإصلاح من حيث الجوهر، لكنه يربطه بشروط مسبقة تشمل دراسات اقتصادية واجتماعية متينة، ونظاماً رقابياً مُفعّلاً، وقبل ذلك دولة موحدة قادرة على ضبط حدودها ومنافذها البحرية والبرية.

هذا الموقف يتسق مع نمط التحليلات التي تجمع بين الحذر التنموي والبراغماتية السياسية، وهو خطاب يجد صداه لدى قطاعات مجتمعية واسعة ترى في رفع الدعم قفزاً نحو المجهول قبل بناء شبكات الأمان الضرورية.

خلاصة التحليل

تصريحات الدكتور مبروك أبوعميد لا تمثل معارضة مبدئية لأي إصلاح في دعم الوقود، بقدر ما تكشف عن هاجس نخبوي وشعبي من أن يُصار إلى تفكيك آخر حواجز الحماية الاجتماعية من دون سد منافذ النهب المنظم أولاً.

ربطه العضوي بين فساد التوريد والتهريب البحري من جهة، ومخاطر رفع الدعم في غياب مؤسسات موحدة من جهة أخرى، يطرح خارطة طريق للإصلاح تبدأ من الرقابة والشفافية قبل أن تصل إلى جيب المواطن.

وبينما يضغط الواقع المالي على الدولة، يبقى السؤال المعلق في قلب النقاش: هل يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي في غياب إصلاح أمني ومؤسسي يحاصر الفساد أولاً؟ بالنسبة لأبوعميد، الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الوحيدة التي يجب أن تسبق أي رفع للدعم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى